مباشر

في‭ ‬مديح‭ ‬‮«‬على‭ ‬خُطى‭ ‬العرب‮»‬

محمد الدميني
نشر في: آخر تحديث:

لندن‭ ‬هي‭ ‬إحدى‭ ‬العواصم‭ ‬الثقافية‭ ‬العريقة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬الشواهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬تُحصى،‭ ‬لكنّ‭ ‬سكان‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬وزائريها‭ ‬اعتادوا‭ ‬مشاهدة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬اللوحات‭ ‬الزرقاء‭ ‬المثبّتة‭ ‬بأناقة‭ ‬على‭ ‬واجهات‭ ‬بعض‭ ‬الشقق‭ ‬أو‭ ‬المباني‭ ‬داخل‭ ‬الأحياء‭ ‬البريطانية‭ ‬العتيقة‭ .

‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬اللوحات‭ ‬الصغيرة‭ ‬سوى‭ ‬تذكارات‭ ‬صغيرة‭ ‬لطيفٍ‭ ‬واسعٍ‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬الأدبية‭ ‬العالمية‭ ‬اللامعة،‭ ‬وأحياناً‭ ‬لأسماء‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أو‭ ‬الهندسة‭ ‬أو‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬السياسة‭ ‬أو‭ ‬العمارة،‭ ‬والتذكار‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬المؤلف‭ ‬أو‭ ‬المبدع‭ ‬وتاريخ‭ ‬سكناه‭ ‬ذلك‭ ‬المبنى‭ ‬وهويته‭ ‬الإبداعية‭... ‬وجدتُ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التقليد‭ ‬النادر‭ ‬احتفالاً‭ ‬صامتاً‭ ‬بقيمة‭ ‬الكاتب،‭ ‬وقيمة‭ ‬المدينة،‭ ‬ومنصّة‭ ‬بصرية‭ ‬لتعريف‭ ‬السكان‭ ‬والعابرين‭ ‬بتلك‭ ‬الكوكبة‭ ‬الرفيعة‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬والمبتكرين‭ ‬الذين‭ ‬احتضنتهم‭ ‬المدينة‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭.‬

تذكرت‭ ‬هذا‭ ‬وأنا‭ ‬أنتزع‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬والمسلسلات‭ ‬الرمضانية‭ ‬والإعلانات‭ ‬التجارية‭ ‬المحتشدة‭ ‬بالغث‭ ‬والسمين،‭ ‬لأتابع‭ ‬حلقات‭ ‬‮«‬على‭ ‬خطى‭ ‬العرب‮»‬‭ ‬ التي‭ ‬أعادت‭ ‬بثها‭ ‬قناة‭ ‬العربية،‭ ‬والبرنامج‭ ‬في‭ ‬خلاصته‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الزيارات‭ ‬الحية‭ ‬لمجموعة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المواقع‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬حياة‭ ‬وموت‭ ‬شعراء‭ ‬العربية‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الجاهلي‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬صدر‭ ‬الإسلام‭ ‬وما‭ ‬بعده،‭ ‬وهذه‭ ‬الرحلات‭ ‬تعرض‭ ‬مضمّخة‭ ‬بالقصائد‭ ‬وسِيَر‭ ‬الشعراء‭ ‬ومفردات‭ ‬الطبيعة‭ ‬التي‭ ‬احتضنت‭ ‬حياتهم‭ ‬وخيالاتهم‭ ‬وأفراحهم‭ ‬ومآسيهم‭ ‬أيضاً‭..‬

المكان‭ ‬بكل‭ ‬صوره‭ ‬وتجلياته‭ ‬وتنوّعه‭ ‬وملامحه‭ ‬المندثرة‭ ‬هو‭ ‬البطل‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬الثقافي‭ ‬المهم‭ ‬الذي‭ ‬أخرج‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬أدبائنا‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬والأرفف‭ ‬المهملة‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬الحر،‭ ‬ولعل‭ ‬قدرة‭ ‬معدّ‭ ‬البرنامج‭ ‬د‭. ‬عيد‭ ‬اليحيى،‭ ‬ومخرجه‭ ‬قتيبة‭ ‬الجنابي‭ ‬قد‭ ‬تجلَّت‭ ‬في‭ ‬إحياء‭ ‬الأمكنة‭ ‬الدارسة‭ ‬من‭ ‬جبال‭ ‬وصحاري‭ ‬وأودية‭ ‬وآبار‭ ‬وتلال‭ ‬وشعاب‭ ‬وشواطئ‭ ‬كمجالات‭ ‬طبيعة‭ ‬وبصرية‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬كنفها‭ ‬أولئك‭ ‬الشعراء‭ ‬العظام‭ ‬وتقديم‭ ‬ملامحها‭ ‬بأكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬العفوية‭ ‬المغلَّفة‭ ‬بالذكاء،‭ ‬وهكذا‭ ‬أصبح‭ ‬يسيراً‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نشاهد‭ ‬جبال‭ ‬‮«‬الدخول‮»‬‭ ‬و«حومل‮»‬‭ ‬و«توضح‮»‬‭ ‬و«المقراه‮»‬‭ ‬التي‭ ‬خلَّدتها‭ ‬قصيدة‭ ‬امرؤ‭ ‬القيس‭ ‬الشهيرة،‭ ‬وأن‭ ‬نرى‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬قُتل‭ ‬فيه‭ ‬ابن‭ ‬السموأل‭ ‬أمام‭ ‬أبيه‭ ‬وفاءً‭ ‬لصديقه‭... ‬الذي‭ ‬استأمنه‭ ‬على‭ ‬دروع‭ ‬محاربين،‭ ‬وأن‭ ‬نقترب‭ ‬من‭ ‬الميدان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مسرحاً‭ ‬لحرب‭ ‬داحس‭ ‬والغبراء‭ ‬الشهيرة،‭ ‬وأن‭ ‬نرى‭ ‬الغار‭ ‬الجبلي‭ ‬الذي‭ ‬قضى‭ ‬فيه‭ ‬تأبط‭ ‬شراً‭ ‬جلّ‭ ‬سنوات‭ ‬حياته،‭ ‬وأن‭ ‬نرى‭ ‬جبل‭ ‬‮«‬عَلَمْ‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬رثت‭ ‬قربه‭ ‬الخنساء‭ ‬أخاها‭ ‬صخراً،‭ ‬وأن‭ ‬نطلّ‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬الأخير‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬آخر‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الشنفرى‭ ‬وليلى‭ ‬الأخيلية‭...‬

كلهم‭ ‬إذن‭ ‬عاشوا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الطبيعة‭ ‬الأخّاذة‭ ‬حيناً‭ ‬والقاسية‭ ‬أحياناً،‭ ‬وعلى‭ ‬تلك‭ ‬الأرض‭ ‬الشاسعة‭ ‬التي‭ ‬تصول‭ ‬فيها‭ ‬الريح،‭ ‬ولدت‭ ‬المعلقات‭ ‬والقصائد،‭ ‬وخَبُر‭ ‬الشعراء‭ ‬آلام‭ ‬الحُب‭ ‬ولوعات‭ ‬الفراق،‭ ‬وعقوبات‭ ‬القبيلة‭ ‬والأهل‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬نفيهم‭ ‬ليقضوا‭ ‬شطراً‭ ‬من‭ ‬حياتهم‭ ‬في‭ ‬أتون‭ ‬الصحراء‭ ‬يصادقون‭ ‬الهوام‭ ‬ويلتحفون‭ ‬السماء‭.. ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يدروا‭ ‬أنهم‭ ‬يصنعون‭ ‬بذلك‭ ‬هوية‭ ‬مكتملة‭ ‬الأركان‭ ‬للشعرية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬خلَّدت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬ونشرتها‭ ‬شرقاً‭ ‬وغرباً‭. ‬

إن‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬النقَّاد‭ ‬والباحثون‭ ‬عبر‭ ‬قرون‭ ‬عن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬هو‭ ‬ضخم‭ ‬وتصعب‭ ‬الإحاطة‭ ‬به،‭ ‬وأغلبه‭ ‬بقي‭ ‬أسير‭ ‬الذاكرة‭ ‬أو‭ ‬رفوف‭ ‬المكتبات،‭ ‬فيما‭ ‬تكمن‭ ‬فضيلة‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬ذلك‭ ‬التراث‭ ‬النقدي‭ ‬الصامت،‭ ‬وتسخير‭ ‬الوسائل‭ ‬الإعلامية‭ ‬الجديدة‭ ‬لنشره‭ ‬وإحيائه‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬جيل‭ ‬يتبرّم‭ ‬بماضيه‭ ‬وتراثه‭ ‬ولغته‭ ‬أحياناً‭. ‬

إن‭ ‬عملاً‭ ‬كبيراً‭ ‬كهذا‭ ‬لن‭ ‬ينجو‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الملاحظات‭ ‬التي‭ ‬تنصبّ‭ ‬على‭ ‬دقة‭ ‬النصوص‭ ‬الشعرية‭ ‬أو‭ ‬قراءة‭ ‬معدّ‭ ‬البرنامج‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬صحة‭ ‬الأحداث،‭ ‬وأماكن‭ ‬وقوعها،‭ ‬أو‭ ‬إبراز‭ ‬جوانب‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬شاعر‭ ‬وإغفال‭ ‬بعضها،‭ ‬لكننا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬ننتظر‭ ‬بحثاً‭ ‬أكاديمياً‭ ‬محكّماً‭ ‬بل‭ ‬برنامجاً‭ ‬ثقافياً‭ ‬يخضع‭ ‬لشروط‭ ‬العمل‭ ‬التلفزيوني‭ ‬وإيقاعه‭ ‬ويتوجه‭ ‬إلى‭ ‬شرائح‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬القرَّاء‭ ‬والمشاهدين،‭ ‬لكننا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬كسِبنا‭ ‬موقعاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬خارطة‭ ‬البرامج‭ ‬التلفزيونية‭ ‬التي‭ ‬تحفل‭ ‬بكل‭ ‬الأطايب‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬الوجبات‭ ‬الثقافية‭ ‬الخفيفة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الثقيلة‭.

قبل أن تذهب