مباشر

من أشد منهم قوة ؟

سالم بن أحمد سحاب
نشر في: آخر تحديث:

منذ أدركت معاني الحياة ومفرداتها، والعلم عند الناس أن لا قوة عسكرية تضاهي ما لدى الولايات المتحدة إلاّ تلك التي يتمتع بها الاتحاد السوفيتي آنذاك. كان شعار كل من الدولتين: (مَن أشدّ منِّا قوَّة) تلميحًا وتصريحًا. والتصريح عند الحاجة لم يكن سلوكًا يتوارى القوم من إعلانه والمجاهرة به، بل هم يبادرون إلى فرضه، وترويع الآخرين بممارسته.
لقد خرج القطبان الأكبران من غمار الحرب العالمية الثانية منتصرين، بطريقة أو أخرى، فتقاسما الغنائم، وأظهرا القوة، وأشاعا في الأرض كثيرًا من القيم إلاَّ الأمن والسلام.
وتحت شعار (مَن أشدّ منِّا قوَّة) عاثت الولايات المتحدة في أرض فيتنام تدميرًا وفسادًا. لكنَّهم لم ينتصروا وخرجوا صاغرين، مهزومين، محطّمين، وثبت لهم أنهم قوة تقهر، ليس شرطًا بعدّة تماثل ما عندهم، أو بعدد يفوق ما لديهم، وإنما بعزيمة المقاوم الذي يقف الحق بجانبه، ولو كان من الكافرين.
وفي أفغانستان صاح قادة الكرملين، ومعهم جنودهم الذين ظنّوا أن كل عوامل الانتصار ملك أيديهم: (مَن أشدّ منِّا قوَّة؟)، فتمرغت أنوفهم، وكثر قتلاهم، وتمزّق اتّحادهم بعد هزيمتهم، فباتوا دويلات متناثرة مستقلة، وورثت روسيا الهزيمة المرّة، والصورة المهتزة.
ومع ذلك كله، لم يتواضع القوم، ولم يفشوا في العالم السلام، بل بثّوا مزيدًا من صور النزاع، وبؤر الفساد، ومكامن الشر. ومرّة أخرى تساءلوا: (مَن أشدّ منِّا قوَّة؟).
وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وقودًا لحملة القويّ المتسلّط، فدخل الأمريكان العراق عنوةً، ومكثوا فيهِ سنين عددًا، يَقتُلون ويُقتَلون، ومن أموالهم ورخائهم يدفعون، ثم خرجوا صاغرين، مدركين أن الشعوب أقوى مهما ضعفت الحكومات، وأن مصير المحتل إلى خروج.
واليوم تكرر العقلية المتخلّفة في روسيا الخطأ نفسه، فلا درسًا وعت، ولا تاريخًا استوعبت. لذا فهي تستمر في إلقاء السؤال نفسه: (مَن أشدّ منِّا قوَّة؟) مغامرين بسمعتهم المهتزة، وباقتصادهم الهش؛ ليحافظوا عن موطئ قدم في الشام عبر طاغية الشام، وما دروا أن الله عز وجل لهم بالمرصاد!
النهاية الحتمية للمشهد السوري: مزيد من التدمير والقتل والتهجير المتوّج بخروج الروس، وهم أذلة صاغرون.

نقلاً عن صحيفة "المدينة"

قبل أن تذهب