مباشر

يا لكرم الأنانيَّة: فيروز و أصالة !

فهد عافت
نشر في: آخر تحديث:

شرط من شروط الجماليّة في العمل الفني : أن يظهر و كأن عناصره قد أقامت العلاقات فيما بينها بتناغمٍ و لتناغمٍ يخصّها ، ضع تحت كلمة " يخصّها " ما شئت من خطوط ثم أكمل : تناغم يمكنك تأمّله ، غير أن تأمّلك له لم يكن هدفاً لعناصر العمل ، يجب و أن يبدو و كأنه جزء من طبيعتها ، بل و طبيعة في أجزائها ، و كأن هذا التناغم حقق نفسه بنفسه لنفسه !.
و صحيح أن جائزة العمل الفني الجميل لمتلقّيه غير خافية ، فهو إما أن يوسع أُفقاً ، أو يَهِب حيويَّةً و قوَّةً ، أو يشرح صدراً و نَفْساً ، بل إنه دائماً ما يفلح في منح هذه الأشياء الرائعة لمتلقِّيهِ دفعة واحدة ، متى ما كان العمل أصيل الجمال ، و كانت موهبة المتلقِّي أصيلة النزاهة ، إلا أن مثل هذه المُكافآت السَّخِيَّة ، تُمنَح دائماً دون درايةٍ من جماليّة العمل الفني نفسه ، تماماً كما تَمْنَح أشجار الطبيعة ظلالها لمُستجيرٍ بها دون درايةٍ من الجذع و الأغصان و الضوء و الظلال و الزمن و الحاجة !.
أَحْسبُ أن هذا شرطاً جمالياً يسري على كل عملٍ يطلبُ تصنيفه فنيّاً ، و يعرضُ نفسه جماليَّاً ، كاشفاً للشعور و الذوق عن قبوله بأحكامهما دون سواهما !.
و لأن طرح الأمثلة يهدف دائماً ، ما لم يُرِد طارحها استعراض عضلاته ، إلى كشف القصد ، ففي فن الغناء مايفي بالغرض ، و ليكن سؤالنا بسيطاً : ما الذي لا تمتلكه مطربة مثل " أصالة " في صوتها ، دعك من الأفق و التفكير و جدارة الحلم و غيرها ، ما الذي لاتمتلكه " أصالة " في صوتها لتصير به في مرتبة " فيروز " في صوتها أيضاً ؟!.
جوابي ، و أرجو أن ينصفني ذوقي : صوت أصالة على قوّته و قدراته و ما وهبها الله فيه من حُسن ، يحضر دائماً و يشكّل عناصره رغبةً في كسب إعجاب السامع و طمعاً في حصد تصفيقه و الإشادة به ، و هو كلما حث السعي لهذا ، أثقل على سامعه و أشعره بالنفور ، أو حرمه من التوحّد معه ، و الأهم أنه لم يعد بإمكانه أن يظل وفيّاً لذاته بالقدر الذي لا يخدش نزاهة الجمال الفنّي ، في المقابل تكمن عبقرية صوت فيروز ، في قدرته على اعفائك من أي " صراع " معه ، فلا تشعر أبداً بثقل ضرورة الحُكم و التصفيق و الإشادة ، تغنّي و كأنها تغني لنفسها ، صوت فيروز يروح و يجيء لأجله هو ، يا لكرم الأنانيّة في الجمال الفنّي!.
و لنفترض أن صوت فيروز لا يُعجبك ، أبداً لا يقول لك أنك على خطأ ، غير أن كل جمالٍ آخر ، خاصةً جمال الطبيعة ، لن يمنحك صُحبته ، كما كنتَ تستحق فيما لو أرهفتَ الحِسّ ، و درَّبته ، و ثقَّفته ، هذه الأخيرة : عُد إليها قبل أن تُتَّخذُ كلمة لوصف أهل النقد و الأدب و الصحافة ، أي قبل أن تصبح كلمة مثقف وصفاً لبعض هؤلاء!.

قبل أن تذهب