مباشر

من أين لك هذا؟

أيمن الحماد
نشر في: آخر تحديث:

لسنا بِدعاً من المجتمعات أو الدول التي قرّرت في لحظة ما تعزيز مستوى الشفافية والنزاهة والرقابة، وتحمّل المسؤولية، والعناية بالمال العام، واحترام المنصب والمكان الذي كُلّف به هذا المسؤول أو ذاك.. ومنعاً لإساءة استخدام المنصب أو التنفّع من خلاله بما ينعكس سلباً على الأداء الحكومي وخدمة المواطن كان ولا بد من تحصين المركز أو المقام الذي يُمنح عادة للمسؤول ثقة في أدائه للأمانة التي أؤتمن عليها.. جاءت أنظمة دولية عديدة بما يسمى إقرار الذمة، أو الإفصاح، من أجل إيصال رسالة للمجتمع أن المسؤول سيخضع للمساءلة حين يتبوأ منصبه، وعندما يغادر خارج مكتبه، فتزداد الثقة في الحكومة وأجهزتها، كما أن ذلك سيجعل أي مسؤول يتحمّل تبعات قبوله المسؤولية. ففي دولة مثل فنلندا بإمكان الصحافة الكشف عن حسابات المسؤولين في الحكومة في أي وقت؛ ما يعني أن المسؤول تحت مجهر جميع الجهات الرقابية بما فيها الصحافة والإعلام.

تطالعنا الصحف في الآونة الأخيرة عن إلغاء وزارة العدل صكوكاً بمليارات الريالات مقابل ملايين الأمتار المربعة تم الاستيلاء عليها بمستندات مزوّرة وطرق غير مشروعة شارك في بعض هذه العمليات بعض كتاب العدل، وإن مثل هذه الإجراءات - ونعني هنا إقرار الذمة - ستمنع أي شخص ينوي التكسّب من منصبه، لما سيترتب عليها من مساءلة تعرّضه للمحاسبة، وهذا مثال بسيط على تعزيز قانون إبراء الذمة لمستوى النزاهة في المجتمعات.

في بعض الدول التي تعتمد الانتخابات للوصول إلى المناصب لا يقبل ترشّح أي شخص دون أن يفصح عن ممتلكاته، وما يملكه أبناؤه من أجل قبوله في الترشّح وليس تنصيبه أو جلوسه على كرسي المسؤولية.

إن على كل من يرغب الدخول في تولّي منصب في قطاع الخدمة العامة أن يدرك أن لكل شيء ضريبة يجب أن يؤديها، وأن المال العام مصان ولا يمكن استباحته بمنصب أو غيره.

كما يجدر بنا أن ندرك بأن قوانين مكافحة الفساد تعمل بلا شك على منع تحوّل الفساد إلى ثقافة في أي مجتمع، وهذا لا يتم إلا عبر إنفاذ سلطة القانون، ودون ذلك فإن المجتمع يتلوث بما لا يمكنه بسهولة التنزّه منه، إذ إن الصور والصفات السلبية إذ أُلحقت بمجتمع ما فإن من الصعب الانسلاخ منها بسهولة، وقد يتطلب ذلك إجراءات فجة وعميقة وقاسية لإثبات العكس.

قانون إقرار الذمة أصيل في ديننا الحنيف، والسؤال الذي يُبنى عليه هذا القانون سأله عمر بن الخطاب لابنه عبدالله عندما رأى عنده إبلاً سمينة فسأله: "من أين لك هذا؟"..

وقد أحسن "الشورى" عندما صوّت بأغلبية لملاءمة مقترح لسن تشريع للكسب غير المشروع، ويجدر بالمجلس وباقي المؤسسات الحكومية الرقابية الدفع بهذا التشريع ليرى النور قريباً.

نقلاً عن "الرياض"

قبل أن تذهب