مباشر

هل نجح الشباب منظمو معرض الكتاب؟

محمد المزيني
نشر في: آخر تحديث:

لن أفتتح مقالتي هذه، التي ربما لن تروق لبعضهم، بالديباجة المعهودة عند الحديث عن أهمية الشباب في قيادة الأعمال الإدارية، وضرورة الثقة بقدراتهم. كما أنني لن أدخل في الجدل القديم الحديث في أهمية الإفادة من خبرات المجربين، وضرورة تلقيح معارف الشباب ومهاراتهم الفردية بها، فهذا أصبح من الحوارات المستهلكة. ما يعنيني هنا هو الواقع الملموس، والتجربة التي لا تزال قائمة، المتمثلة بمعرض الرياض الدولي للكتاب، الذي شهد منذ تدشينه حتى اليوم، وفوداً كبيرةً تحتشد أمام بوابات الدخول بطوابير طويلة لم تحدث مثلها في أي من المعارض السابقة، على رغم استحداث إدارة جديدة أطلقت عليها إدارة الحشود، ولهذا دلالات ومؤشرات سنأتي على ذكرها لاحقاً. الآن نريد الإجابة على السؤال، الذي قدمناه عنواناً لهذه المقالة: «هل نجح الشباب منظمو معرض الكتاب؟» بكل حيادية وواقعية.

من خلال قراءة متأنية للظواهر الإيجابية والسلبية التي برزت خلال أسبوع، أعتقد أنها كافية للقراءة والاستدلال، أستطيع القول:

أولاً: ما يجب علينا الإشادة به هو مدى استجابة الشباب المنظمين لكل الاستفسارات التي تصل إليهم من المشاركين السائلين عن مواقعهم المحددة داخل المعرض، أو المعترضين على المساحات المخصصة لهم، وإن كانوا لا يحصلون على ما يبتغونه، لأن ما تم إقراره سلفاً من خلال اللجان المشكلة لا يمكن التراجع عنه أو نقاشه، وهذه تعد مسألة إدارية يصعب التفاوض فيها، على اعتبار أن رضا الناس غاية لا تدرك. الشيء الآخر الذي مر من دون التعقيب عليه وإبداء أسباب تُذكر هو تقليص عدد المشاركين في المعرض بنسبة تصل تقريباً إلى 45 في المئة، مكتفية بـ500 عارض من بين 1300 طلب مشاركة، وهذا من المفترض أن يكون سهّل للشباب إدارة المعرض وتلافي أدنى ارتباك يكشف عن ضعف التنظيم، وخصوصاً في ما يتعلق بتوزيع الأجنحة. إلا أن ما حدث العكس، إذ تضرر عدد من دور النشر المعتبرة التي وجدت نفسها خارج قوائم المشاركين، إلا أن ما حدث في معرض الكتاب هذا العام المنظم بحماسة الشباب وتطلعهم إلى النجاح شيئاً آخر يراه البعض خطأً فادحاً، ويراه الشباب تجربة جديدة وضرورة ملحة دفعت إليها مساحة المعرض المحدودة، وهي نقل عدد من دور النشر الكبيرة، كالمركز الثقافي الغربي، ومؤسسة دراسات الوحدة والانتشار العربي، وكلمات، ومدارك، إلى الخيمة الإضافية الملحقة بالمعرض، التي كانت تقريباً مقسمة على دور النشر المتخصصة بالأطفال، ظناً منهم أنها تحل أزمة الخيمة التي كانت تشكو من قلة الزائرين، وبالتالي انعكس هذا على ضعف الإقبال عليها، في حين منحت بعض الشركات والمؤسسات المتخصصة بألعاب الأطفال، التي أدرجت تحت مسمى وسائل تعليمية، وهي لا تمتلك من الوسائل التعليمية إلا القليل، أجنحة كبيرة داخل صالة العرض الرسمية! المضحك أن بعض هذه المؤسسات تعرض كل العاب الأطفال التي لا علاقة لها بالكتاب، ولا بالوسائل التعليمية، بما في ذلك الدراجات الهوائية والعرائس المشوهة في أجنحتها، أما دور النشر الكبيرة، التي من حقها أن تقدم في المكان الأبرز في المعرض فأرغمت على قبول قرار الإدارة المجحف والانتقال إلى المكان غير اللائق بها، محاطة من كل الجهات بألعاب الأطفال، لا أدري كيف غفل الشباب المنظمون عن الواقع الذي لن يتغير داخل هذه الخيمة المفتعلة، المتمثل بصعوبة الوصول إليها عبر بوابات طوارئ لا تكاد تبين، وكان حري بهم أن يتركوا الخيمة للطفل بكل المنتجات التي تهمه، وتفتح لهم بوابة واسعة من الجهة الشمالية، وتخصص الصالة الرئيسة لعروض الكتب فقط، لكي يحمل المعرض ثقل اسمه الحقيقي بوصفه معرض كتاب لا مهرجاناً للطفل، أو أن ينظم معرض خاص بالطفل في وقت لاحق وتتاح المشاركة فيه لكل المؤسسات والشركات والمراكز المتخصصة بالوسائل التعليمية والترفيهية، ويظل معرض الكتاب للكتاب فقط. أستطيع أن أجزم بعد مضي أسبوع من الوقت المحدد للمعرض أن التجربة فاشلة بامتياز، أعني تجربة توريط عدد مهم من دور النشر الكبيرة في الخيمة الملحقة.

ثانياً: الشباب نجحوا في تقديم شيء جديد في معرض الكتاب هذا العام، باستحداث بوابات تاريخية، مستلهمة من بوابات الرياض القديمة وشوارعها، لممرات المعرض ومداخله، وهنا تكمن المفارقة، فالشباب الذين لم يروا هذه البوابات قط اختاروا أن يتحلى المعرض بمجسمات رمزية لها، إلا أنه فاتهم تشكيل مسميات هذه البوابات لتنطق بشكل صحيح، ومع وضع ملصقات تعريفية تبين تاريخها ومواقعها من الرياض، وكان التطلع الذي واكب هذه التجربة الجديدة أن تتقاسم مناطق المملكة هذه البوابات والممرات، باعتبار أن هذا المعرض دولي ويمثل كل مناطق المملكة.

ثالثاً: ثمة تحفز أمني شديد هذا العام على غير العادة، إذ كثفت الحراسات على المداخل والمطالع، وهذا أمر محمود، إلا أن المدخل الرئيس الوحيد للمعرض، المقسوم على الذكور والإناث من الجهة الجنوبية، ضاق على كل الحشود الكبيرة التي جاءت إلى المعرض، مع أن للمعرض عدداً من المداخل الإضافية لم تستغل للتخفيف على المواطنين، في حين خصصت المداخل الشمالية لكبار الزوار، وهذا أمر لا نشهده في معارض الكتب الدولية الأخرى، لأن معرض الكتاب هو مهرجان للثقافة والوعي، المعيار الوحيد فيه قيمة العقل والإنسان، عدا ذلك تسقط فيه قيم التمايز الأخرى المفتعلة، وقد انكشف الخلل التنظيمي جلياً يوم افتتاح الوزير المعرض، إذ أغلقت جميع البوابات أمام الضيوف والناشرين، الذين كانوا خارج الصالة، لمجرد دخول الوزير صالة العرض، ما أحدث لغطاً وتبرماً كبيراً تناولته مواقع التواصل الاجتماعي باستهجان بالغ، وأنا على يقين بأن الوزير لم يأمر بهذا، إلا أن خطة الأمن المبالغ فيها هذه السنة لم تكن لتصب في مصلحة المنظمين الشباب، وهذا يحسب على إدارة الحشود المستحدثة.

رابعاً: يحسب للشباب فكرة تفويج الزائرين ذهاباً وإياباً من المواقف الخارجية إلى المعرض بواسطة حافلات خصصت لهذا الغرض، بغية تخفيف الضغط عن المواقف الداخلية، وعلى رغم السلبيات التي برزت لهذه البدائل، فإن التجربة الأولى دائماً محفوفة بالأخطاء.

خامساً: حاول الشباب المنظمون ضبط عملية البيع والشراء من خلال أجهزة «الباركود» التي وزعت على العارضين، والتي بدت للوهلة الأولى غبية وغير صالحة للاستخدام في معرض يفد إليه آلاف الزوار يومياً، لم تكن هذه الأجهزة مناسبة بسبب بطئها، لهذا لم يضعها العارضون في الاعتبار، فنحَّاها كثير منهم جانباً، وكان من الأجدر البحث عن وسيلة تقنية أخرى تقوم بهذه المهمة على الوجه الأكمل والأسرع، والشركات العاملة في هذا المجال لدينا كثيرة، والخيارات متعددة، تلك التي لديها الكفاءة العالية لاستخراج الفاتورة وإحصاء الكتب المباعة، وبالتالي دخل كل دار نشر على حدة، ودخل المعرض بشكل عام.

سادساً: كنا نتوقع أن يتغير شيء في الفعاليات المصاحبة للمعرض، من حيث تنوعها وجودتها، إلا أنها جاءت مشابهة للسنوات الماضية، غلب عليها التعجل في تحديد موضوعاتها ومحاورها وأسمائها، كما لم تصاحبها حملة إعلامية جيدة، وكأننا لم نتعلم من بعض المعارض الدولية للكتاب المقامة قريباً منا، كمعرض الشارقة الدولي للكتاب وأبوظبي.

سابعاً: نعلم جيداً، من خلال مشاركاتنا في المعارض الدولية، أهمية استضافة دولة من الدول لأن تكون ضيف شرف على المعرض، إلا في معرض الرياض؛ تغيب الغاية منه! فماذا يعني أن تحل اليونان ضيف شرف وهي لم تقدم أو لم يسمح لها بأن تقدم ثقافتها وفولكلورها ممسرحاً أمام الجميع؟ أم أنه تقليد خاو من المعنى الحقيقي؟

أخيراً، كل ما نتمناه في السنوات المقبلة، أن تترك الفعاليات الثقافية والفنية وتحديد نوع الجوائز الممنوحة والمرشحين لها للأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون، من خلال لجنة تسند إليها هذه المهمة. حقيقة: الشباب المنظمون لمعرض الرياض الدولي للكتاب بدورته العاشرة نجحوا في العمل بصفتهم فريقاً واحداً لاختيار الشركات الخاصة التي قامت بكل هذا العمل، والترتيب مع الجهات الأمنية، بوصفهم منسقين ومتابعين لأدائهم، وكلنا أمل بأن يكون القادم مع شباب المستقبل أجمل.

* نقلا عن "الحياة"

قبل أن تذهب