مباشر

أفكار لها أجنحة..!

ملحة عبدالله
نشر في: آخر تحديث:

لحظات من الوله، ولحظات من الشجن، وكلمات منْداة بعَبَرات متحشرجة في الحناجر، ونظرات نتبادلها فيما بيننا تنبئ بذلك العشق الدفين في جوانحنا، حينما يتحدث الرجال والعلماء والمفكرون، والمهتمون على منصة التكريم، عن الهوية الوطنية وعن العروبة وإرثها الدفين في قسمات حفرها التاريخ على هاماتنا وبدت في تقاسيم وجوهنا!

في اليوم السادس من شهر فبراير لعام 2017 وفي إحدى القاعات بأحد الفنادق الكبرى بالقاهرة، كانت كلمة واحدة تطلقها الجائزة - (جائزة باديب للهوية الوطنية) في دورتها الأولى باسم الرائد العربي عمر مكرم - الذي هو أول من وضع يده في يد محمد علي للنهوض نحو الدولة الحديثة.

هذه الكلمة هي من أنا؟ تفجرت على الشاشات وأكدها د. زيد الفضيل في كلمة الافتتاحية.! والحقيقة أنها كلمة مستفزة، تستفز بدواخلها ذواتنا التي استكانت لفترات وفترات! كلمة في شكل تساؤل استنكاري وليس تقريريا بطبيعة الحال؛ ولكنه تساؤل استفزني أنا على وجه الخصوص وكنت أعتقد أنني وبمفردي من تحفزت ضد هذا التساؤل؛ ولكنني وجدته يستفز أحد كبار العلماء العرب وشيخ المحققين والمترجمين وصاحب معجم القرآن الكريم الدكتور حسين نصار وهو أحد المكرمين في هذا الاحتفال حيث قال في كلمته القصيرة وبتصرف: نحن لا نتهدد في هويتنا فنحن بعمق ما قبل التاريخ أبناء أول من نطق بالعربية ومؤسسها ونحن منبتها، ولكن دورنا الأساس هو أن ندلي بدلونا. وبتعبير (ندلي بدلونا) اختصر شيخنا الكثير مما يقال أو قل ما سيقال!

أما صاحب هذا العرس الكبير الأستاذ أحمد باديب فقد استرسل في كلمته المرتجلة حتى أنني شعرت أن العبرات تخنقه في حديثه عن الهوية العربية وخوفه الشديد على الأجيال القادمة في ضوء التخبط الفكري وتبدل القيم وغزو المعلومات منها الحقة ومنها المضللة ولا نشعر بالفرق بينهما!

سيولة فكرية وترقب وقلق شديد ونحن على مفترق الطرق؛ وهاجس يشعر بالقلق على الإرث والموروث والقيم والمعرفة والتأصيل أمام سباق التثاقف وجرأة الجاهلين بسطوة غير مسبوقة على أرباب الفكر والمعرفة فتضيع الحقيقة في المفازة!

أما الفنان محمد صبحي وفي كلمته فقد قال، إنه شعر بالدهشة عندما سمع أن هناك أناسا يتحدثون عن العروبة والقومية واشتدت دهشته عندما سمع أنه لا يزال هناك أناس تتحدث عن عمر مكرم. وقال: إن البعض يعتبرون الحديث عن التراث والهوية والقومية وما إلى ذلك ضربا من الحمق ثم قال إذا كان الأمر كذلك فأنا أكبر الحمقى.

فهل الحديث عن الهوية والموروث والميراث الجمعي حمق؟ العديد من مدعي التمديُّن والحضارة الجديدة الزائفة يعتبرونه كذلك وهذا لم يأت من فراغ وإنما لما أحدثه ذلك التسرب الوجداني فينا، وأبدا لن نستسلم. فهذا الدكتور أحمد مرسي وهو الرائد الكبير في التراث الشعبي ومؤسس المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون ورئيس الجمعية المصرية للفنون الشعبية يوقع مذكرة تعاون بين المركز والجمعية لبحث وتأصيل وتتبع رحلة السيرة الهلالية في أرجاء الوطن العربي ثم يتعهد رئيس الهيئة العامة للكتاب بطباعتها. فيختلط الشجن بالفرحة ويتبدل الإحساس بالأسى إلى نوع من البهجة والفرحة، كيف لا، ولا تزال بيننا هذه الهمم وهذه القمم، وهؤلاء الرجال العلماء والمفكرون والغيرون في الوقت نفسه حينما نطلق لهم أيديهم التي كبلها رأس المال؛ حينها شعرت وبكل صدق بمدى وخطورة سيطرة رأس المال على المعرفة وعلى انطلاقاتها في الفضاءات الرحبة وخاصة أنها لفرصة كبيرة أن نلحق بهولاء الكبار والمعلمين الأوائل لنمد الجسر بينهم وبين الأجيال الحاضرة واللاحقة، تلك هي الأزمة.

وبعيدا عن الجائزة وعن فروعها وتخصصاتها ومساراتها فلا مجال للحديث عنها في هذا المقال، وإنما نتحدث عن القضية نفسها وعن حلولها وعما يدور في رؤوس مفكرينا، وعن المعوقات التي تعترض طريق هذا الركب المعطاء الذي يبحث عن سبيل لزحزحة أغلال الوعي الرابض تحت آليات تزيفه والتي ظهرت واقعا مريرا في أحاديث ( الفيسبوك وتويتر) وجميع وسائل التواصل الاجتماعي والتي كنت أتمنى أن تقام دراسة على تحليل تلك الأحاديث الحرة الملقاة على قارعة الطريق لنرى أين يقف الوعي العام وأين يستريح!

تذكرت حينها سؤال أسداه لي مقدم أحد البرامج بقوله: أنتم فين وأنتم من يصنع الوعي وأنتم القائمون على صناعة القوى الناعمة؟ حينها عاجلته بالإجابة وبدون تفكير بقولي: أين الإنتاج يا سيدي؟ وهنا تكمن المشكلة! فلا يزال بيننا قمم وهمم ورجال يحملون بين أكتافهم أمانات عظيمة ويطمحون في توصيلها لأصحابها، وقد ظهر جليا لنا في ليلة الاحتفال هذه، كم من قامة سامقة تمد كفيها كل عراف عبر.! ولكن بمفهوم مقلوب أن العراف أصبح هو البوابة الحقة للولوج إلى أفواه العلماء، إنه رأس المال ياسادة، الذي يرفع الصغار ويستثني أرباب المعارف قابعون هناك ينتظرون رضوان المعرفة يهز سلاسل الفكاك عن صمت مطبق، فالألسن تتعلق بالحلوق، لأن المنبر محجوز مسبقا ياسادة.

وإذا تساءلنا عن علمائنا القدامى وكيف غزوا العالم بفكرهم لوجدنا أنهم مثلما يقول المثل الشعبي، كانوا هم في (راس المجلس).! وقد يقول قائل ها هم في الإعلام وفي التكريم وقل ما تشاء، ولكنني أقول لكم القضية في التفعيل والصناعة والقلم الذي أقسم به المولى عز وجل، فالأقلام هي التي يجب أن تمشي بين الناس وليس الأجساد ولا الأضواء ولا التبجيلات؛ فالأفكار لم يعد لها أجنحة كما يقال بل أصبحت (بين الأبنية المسلحة).

وبين الاحتفال والتفعيل مساحة تنبئ بحراك كبير إذا ما أحسنا إدارته، لأنه لا يزال الوقت بين أيدينا وكل الشكر لناقر أجراس الأجنحة، الأستاذ الغيور أحمد باديب.

* نقلا عن "الرياض"

قبل أن تذهب