مباشر

هل شراء المتابعين في تويتر جريمة أم ثقافة؟

عبدالله بن بخيت
نشر في: آخر تحديث:

دخل دعاتنا الأفاضل في السنوات الأخيرة في منافسة على عدد المتابعين. إذا أعلن أحدهم أن عدد متابعيه بلغ مليوناً، أعلن الآخر أن متابعيه بلغ عددهم مليونين ونصف، وإذا أعلن الثالث أن عدد متابعيه بلغ ثلاثة ملايين، احتفل الآخر بأن عدد متابعيه بلغ ثمانية ملايين، حتى أصبح التقافز في الأعداد ماراثونياً. كان يمكن أن ينتقل سباق المتابعين بين الدعاة إلى المليارات لكن من حسن الحظ أن مستودعات تويتر المعلوماتية لا تتحمل ضغط الحسابات المليارية ولعل الله منّ علينا أن أكسب هؤلاء الدعاة قليلاً من الحياء.

أمر كهذا يحتاج إلى قراءة على عدة وجوه. الوجه الأخلاقي والوجه الاجتماعي والوجه الاقتصادي إلخ. يكفي أن نقرأ وجهاً من هذه الوجوه لكي نتحسس البيئة التي ينطلق منها هذا السباق ونعرف ما الذي يعنيه أن يتنافس عدد من الرجال في مزايدة زائفة في الوقت الذي يطرحون أنفسهم كحراس على الصدق والفضيلة، وكيف يقبل المجتمع هذا التنافس وهو يدرك أن هذا مجرد زيف؟

في الثلاثين سنة الماضية تخلق عدد كبير من الدعاة. دخل هؤلاء الدعاة (قبل الإنترنت) في تنافس محموم ولكنه تنافس متظافر. تنافس يسند بعضه بعض ويفتح أفقاً جديداً لكل داعية جديد. لا أحد يزاحم أحداً ولا أحد ينتقد أحداً ولا أحد يصحح لأحد ولا حتى يناصحه. على كل داعية أن يشق طريقه بالقدر الذي يسعه خياله دون الاقتراب من خطوط الداعية السابق إلا بمباركة تلك الخطوط والانطلاق من حيث توقفت ليدعمها ويأخذ نصيبه من انتشارها.

يسرد أحدهم قصة امرأة أنزلت في القبر وبعد ساعتين سمعها الناس تصرخ فأعادوا حفر القبر فاكتشفوا أن المرأة قد تعرت من كفنها فسألوا والدها عن السبب فاكتشفوا أن هذه المرأة لم تكن تضع العباءة على رأسها. أبسط إنسان يتمتع بحس سليم لا يمكن أن يصدق هذه القصة ولكن من كان يجرؤ على تكذيبها. تنامت هذه الأكاذيب بسلطة التكفير والتهديد والتخويف وحق المشاركة في المكاسب إذا باركت ووضعت يدك في يديهم. أصبح تصديقها إلزامياً وتكذيبها يعرض للخطر. صرنا نسمع قصص الثعابين التي تلتفت على الفنانين في قبورهم، والبنت الروسية التي دخلت الإسلام في دقائق وتحولت إلى داعية تقارع الكنيسة الروسية الحجة بالحجة، والعسل الذي يشفي من مرض السكر.

نشأ تيار فكري ثقافي على التكاذب ثم تنوع بقدر تنوع الحياة. فرع شق طريقه في الحياة الصحية (العسل والحبة السوداء) وفرع تخصص في إخراج الجن وإدخالهم، وفرع ذهب إلى السياسة (أن نابليون أعلن أن المرأة المسلمة هي هدفنا) وفرع ذهب إلى العلم فنشأ ما يعرف اليوم بالإعجاز.

هذا التنافس على تزوير أعداد المتابعين في تويتر لم يتولد مع تويتر أو بسبب التقنية. جزء من ثقافة عميقة مازلنا نرى تجلياتها في فروع حياتنا المختلفة.

* نقلا عن "الرياض"

قبل أن تذهب