فاتورة باهظة
بين الحين والآخر، تطالعنا الصحف العالمية والمحلية بعناوين قضايا مرفوعة ضد جهات حكومية من شركات دولية تنفذ مشاريعها في مملكتنا الحبيبة، وهذه المشاريع تصرف عليها الدولة ملايين بل مليارات الريالات في خدمة المواطن، ولأنها عقود كبيرة جدا وجب على المشرع السعودي التعرف على ثقافة هذه العقود الدولية.
فهذه العقود لا تخلو أحيانا من الوسطاء الذين يتقاضون أجرهم في نوع من أنواع الفساد. تبسيط الإجراءات والشفافية من الحلول الممتازة تجاه الفساد والفاسدين، لذا كحل يقضي على الفساد تماما، فإن المناقصات -سواء الدولية أو المحلية- لا بد أن تُعاد صياغة طريقتها، وقانونها قانون المشتريات الحكومية، ما الذي يمنع الجهة الحكومية من إلغاء مراحل فتح المظاريف، وفحصها تماما، وجعل الإجراءات شفافة وواضحة لجميع الناس، حتى تنتفي أي شبهة فساد، فمثلا تأتي الشركة إلى الجهة الحكومية وتعرض سعرها للعقد أمام الجميع، ويأتي قرار قبول العقد كذلك أمام الجميع بشكل شفاف، وإن كانت هناك شبهة، أبلغ المواطن -وهو رجل الأمن الأول- هيئة مكافحة الفساد. الشفافية تقتل الفساد والفاسدين، وما يقتل بالنور يعيش ويستمر في الظلام، تمارس الشفافية كذلك دورا إعلاميا توضيحيا مهما للآخرين، حتى لا يأتي ممن هم ليسوا من بني جلدتنا، ويوظفون الأحداث لمصلحة أجندة رخيصة.
لا بد أن يدرك مشرّعنا السعودي أهمية وضع إستراتيجية قانونية وطنية بشأن العقود الدولية والمحلية والمفاوضات فيها، وربما إصدار دليل تنظيمي ينظم شأنها، وعلى ذلك أيضا الجامعات تستجيب لهذه المتغيرات، وتعلّم طلبة القانون المتطلبات الضرورية للواقع العملي، مثل مادة التحكيم التجاري الدولي، وصياغة العقود، والأهم من كل هذا تنظيم الشؤون القانونية في كل جهة حكومية، بحيث يتم تأهليهم، ولا تتم إدارتها إلا ممن يحمل مؤهلا قانونيا، ولا ننسى أن الازدواجية في التعليم القانوني بين الشريعة والقانون، أحد العوائق التي تتسبب في مشكلات عدة على الصعيد العملي، فطالب القانون يدرس بشكل مختلف عن طالب الشريعة، لذا فمخرجاتهما مختلفة تماما.
على صعيد آخر، تكمن أهمية الشؤون القانونية على مستوى القطاع الخاص والعام، في أن القانوني قد يجنّبك -من باب إدارة المخاطر- خسائر عظيمة، ويدرأ عنك مفاسد أكبر، عندما يتعلق الأمر بالعمل الحكومي، وبالأخص التعاقدات الدولية، يصبح الأمر عندئذ معقدا، نظرا لأن العقود الدولية عادة مبالغها مهولة، وبها عدة أطراف دولية، ولا تختص بها محاكم المملكة، بل تجنح في الغالب إلى التحكيم التجاري الدولي لأنه أسرع في النتائج، ومحايد من وجهة نظر الأطراف، في هذه الحالة لا بد للجهاز الحكومي أن يعي أهمية تأهيل جيل من القانونيين يختص بمثل هذه القضايا، أو تقوم مثلا هيئة الخبراء في مجلس الوزراء بمبادرة تكون هناك خلالها لجنة تعنى بمثل هذه العقود الدولية المليارية، أو ربما مركزية إدارية في جهة حكومية ما تعنى بذلك لتقليل الفساد أو سوء التنظيم والخبرة، فلدينا خبراء سعوديون لا يقلّون أهمية وخبرة عن الأجانب.
نقطة النظام هنا، أن مرحلة المفاوضات وصياغة العقود الجيدة هي ما يحدد مصير هذه العقود المكلفة، وتبعاتها حال النزاع، وتلجأ عادة الجهات الحكومية في مثل هذه الأوضاع إلى مبضع الجراح، ويعينون مكاتب قانونية دولية أجنبية لها باع طويل في مثل هذه القضايا، ومن ذا الذي يلومهم في ظل الخيارات المحدودة أمامهم، ولكن فاتورتهم باهظة جدا جدا، ونحن الآن في وضع إصلاح اقتصادي، ينبغي لنا أن نجد طرقا ذكية لحفظ المال العام، وضبط إيقاع منازعات العقود الدولية، وربما تطبيق فكرة جديدة كإنشاء شركة محاماة حكومية خاصة، تتولى مثل هذه النزاعات الدولية والمحلية الصعبة، وتتعامل مع القطاع الخاص، كذلك ولها دخلها الخاص غير الحكومي.
خلاصة الأمر، أن شركات المحاماة الدولية في المملكة تعدُّ مثل هذه القضايا كالجواهر، بل إنها على طريقة اقتسام الكعكة، تتقاسمها مع أكثر من مكتب نظرا لحجم القضية الهائل، لذا أتمنى أن تعطى مكاتب المحامين السعوديين الدولية الأولوية، ليس طبعا على حساب جودة العمل، فجودة العمل أولا وأخيرا، أو فلنبدأ بلجنة حكومية تكون مسؤولة عن استقطاب محامين سعوديين دوليين، وأعضاء هيئة تدريس في المجال لحل مثل هذه القضايا، ويتولى فريق متخصص في المفاوضات مثل هذه القضية، وحبذا لو تحدث سعوديون بلغة أهل العقد أمامهم، أليس لدينا مبتعثون ومبتعثات سعوديون في كل بقاع الأرض، وبمعظم لغات العالم!، نخفف بذلك ميزانية جهة حكومية تذهب إلى مكاتب المحاماة الدولية! أقول هذا ليس لأن المستشار القانوني السعودي رخيص، بل لأنه وطني في المقام الأول، ويشرّفه خدمة وطنه أولا وأخيرا.
*نقلاً عن "الوطن"