مواد أرشيفية
مشروع فني يعيد قراءة حرب الخليج من السعودية والكويت
من صورةٍ عسكرية منسية في أرشيف عائلي، بدأت الحكاية، ومن بين آلاف الوثائق التي نجت من حرب الخليج الثانية، انطلقت فنانة وباحثة فرنسية في رحلة طويلة امتدت 17 عامًا، بحثًا عن ذاكرة الحرب كما لم تُروَ من قبل؛ لا من غرف العمليات فقط، بل من الشوارع، والوجوه، والحدود، والقصص التي بقيت عالقة في الظل.
تعود بداية المشروع إلى عام 2009، حين عثرت الفنانة الفرنسية هيلين موتر على أرشيف يعود لوالدها، الذي كان ضابطًا في سلاح الجو الفرنسي خلال حرب الخليج الثانية.
وفي حديثها لـ "العربية.نت"، وصفت موتر تلك اللحظة بأنها كانت شديدة التأثير على المستوى الشخصي، لا سيما أنها جاءت في بدايات تشكّلها الفني كطالبة شابة، لتتحول هذه الوثائق لاحقًا إلى جزء أساسي من ممارستها الفنية ومسيرتها البحثية.
مواد أرشيفية تشمل أرشيفًا عسكريًا عائليًا وخرائط ومقالات صحفية
حين يصبح الأرشيف مادة فنية
لم تتعامل موتر مع الصور والوثائق العسكرية بوصفها مجرد سجل تاريخي، بل باعتبارها مادة بصرية مفتوحة لإعادة القراءة والتأويل.
فوالدها، بحسب روايتها، كان مسؤولًا عن إعداد مهام الطلعات الجوية التي نُفذت خلالها عمليات القصف، إلى جانب عمله في توثيق الصور وتحليلها لتحديد المواقع المستهدفة، وهو ما أتاح لها الوصول إلى كمية كبيرة من المواد الخام التي شكّلت نواة هذا المشروع الفني والبحثي.
من مقتنيات حرب الخليج
من الحرب إلى أطروحة دكتوراه
هذا المسار لم يتوقف عند حدود الفن، بل قادها أيضًا إلى تطوير أطروحة دكتوراه نالتها عام 2020 من كلية الفلسفة والعلوم الاجتماعية في الجامعة الحرة في بروكسل.
وتقول موتر إن المشروع انطلق من سؤال أوسع: كيف يمكن قراءة الحروب اليوم؟ لا سيما في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها تقنيات الحرب، مثل الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار، وما رافقها من تغيّر في كيفية إنتاج الصورة العسكرية وتلقيها.
لقطة ثابتة من مشروع لا يزال قيد التنفيذ عام 2026 (هيلين موتر).
حرب شاهدها العالم على الهواء
وترى موتر أن حرب الخليج الثانية كانت لحظة فارقة في تاريخ الصورة والحرب معًا، لأنها كانت من أوائل الحروب التي تلقاها الجمهور الغربي مباشرة عبر شاشات التلفزيون، مع تغطية إخبارية متواصلة، ما جعلها حربًا تُرى بقدر ما تُخاض.
ومن هنا، لا يقتصر مشروعها على توثيق الحرب، بل يحاول أيضًا تفكيك الطريقة التي رأينا بها تلك الحرب، وما الذي غاب عن الصورة الرسمية آنذاك.
آثار حرب الخليج
السعودية.. بداية العمل الميداني
في عام 2022، جاءت أول زيارة لهيلين موتر إلى السعودية، بعد اختيارها من قبل "حافظ جاليري" للمشاركة في برنامج الإقامة الفنية بتنظيم البلد في جدة التاريخية، وهي مبادرة تنظمها وزارة الثقافة.
تقول موتر إنها شعرت آنذاك أن الوقت قد حان لبدء العمل الميداني الحقيقي حول حرب الخليج، من خلال جمع شهادات الناس، وإنتاج صورها الخاصة، وبناء أرشيف بصري جديد للصراع.
من حرب الخليج
من جدة إلى حفر الباطن.. تتبّع مسار الحرب
منذ ذلك الحين، بدأت الفنانة الفرنسية رحلة ميدانية امتدت بين السعودية والكويت، متنقلة بين المدن والمواقع التي لعبت دورًا في الحرب.
في جدة، زارت مباني الإسكان التي استُخدمت لإيواء اللاجئين الكويتيين خلال تلك الفترة، وفي ينبع، تتبعت مسار وصول القوات الفرنسية عبر ميناء ينبع إلى الأراضي السعودية قبل انتقالها إلى شمال المملكة.
أما في الأحساء، فقد زارت المناطق الصحراوية المحيطة بالمطار، حيث كانت تتمركز أجزاء من الجيش الفرنسي خلال الحرب، وفي ديسمبر 2025، وصلت إلى حفر الباطن، حيث تمركز جزء كبير من قوات التحالف الدولي، قبل أن تواصل رحلتها حتى الحدود بين السعودية والكويت والعراق لتوثيق المشهد بصريًا وميدانيًا.
صور أرشفية من آثار حرب الخليج
حين يسلّمك التاريخ نفسه
ومن بين أكثر اللحظات تأثيرًا في هذه الرحلة، تروي موتر حادثة وقعت في جدة خلال الصيف الماضي، حين التقت مصادفة بسائق يعمل في إحدى تطبيقات النقل.
بل كان ميكانيكي دبابات خدم في الجيش السعودي خلال حرب الخليج، واحتفظ بأرشيفه الشخصي من الصور، قبل أن يسلّمه لها، وتصف موتر هذه اللحظة بأنها واحدة من أندر وأثمن ما جمعته خلال مشروعها، قائلة إن ما وصلت إليه من مواد أرشيفية داخل السعودية يُعد "ذهبًا نادرًا".
صورة أرشيفية من حرب الخليج
البحث عن ذاكرة لا تتكلم بسهولة
ورغم ثراء المواد التي جمعتها، تشير موتر إلى أن العمل الميداني داخل السعودية لم يكن سهلًا دائمًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالعثور على أشخاص مستعدين للحديث عن تلك المرحلة.
فالمشروع، كما تقول، لا يبحث فقط في ما حدث عسكريًا، بل يحاول أيضًا فهم كيف عاش المدنيون تلك الحرب، وكيف انعكست على الحياة اليومية في مدن لم تكن في قلب المعركة، لكنها كانت جزءًا من مشهدها الأوسع.
وجهات نظر متعددة.. لا رواية واحدة
وتؤكد موتر أن الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها المشروع ليست تقديم رواية نهائية عن الحرب، بل جمع وجهات نظر متعددة تتيح قراءة مختلفة لهذا الصراع، إنه، كما تصفه، تقاطع للروايات، ومحاولة لإنتاج معرفة أخرى عن الحرب؛ ليست بالضرورة أفضل من غيرها، لكنها أكثر اتساعًا وإنسانية وتعقيدًا.
بعد 17 عامًا من البحث، لا يزال المشروع في طور التشكّل، فموتر تعمل حاليًا على إعداد كتاب، إلى جانب عمل بصري تركيبي (Video Installation) يُتوقع الانتهاء منه خلال العام المقبل.
وترى أن طول هذه الرحلة لم يكن عبئًا، بل جزءًا من قيمة المشروع نفسه، لأن هذا الصراع، رغم أنه بدا قصيرًا في الوعي الغربي، إلا أن قراءته بصريًا وإنسانيًا تحتاج إلى وقت أطول بكثير.
ما وراء الصورة
وفي ختام حديثها، تشدد موتر على أهمية تعزيز الوعي البصري، لا سيما في زمن تتدفق فيه الصور بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتقول إننا لا نحتاج فقط إلى مشاهدة الصور، بل إلى تعلم كيفية قراءتها، لأن كل صورة تحمل ما هو أبعد من ظاهرها، وسياقات لا تُرى بسهولة.
وتضيف: "نحن نعيش اليوم وسط سيل هائل من الصور، لكن الصورة وحدها لا تحكي القصة كاملة".