مباشر

موت فنان طواه النسيان

عبدالله بن بخيت
نشر في: آخر تحديث:

وصلني على الواتس أب فيديو بالأسود والأبيض للفنان السعودي عبدالقادر حلواني، قادني الحنين إلى تذكر الطفولة ومطلع المراهقة. كان عبدالقادر حلواني يملأ شاشة التلفزيون السعودي، من باب الفضول اتجهت إلى غوغل وسألت عن أخباره، وجدت خبراً صغيراً منشوراً في جريدتنا هذه يعلن موته البسيط والمتواضع دون أن يحفل الخبر ولو بشيء عن تاريخ الراحل، اختفاؤه في السنوات العشرين وربما الثلاثين أسهم في انطوائه في ركن صغير من صحيفة كبيرة.

ذكرني خبر موته بلقائي صدفة بالفنان الراحل سعد إبراهيم، حدث هذا قبل أكثر من عشرين سنة، في إحدى الصباحات في مطعم فول بالرياض، كانت الصالة مزدحمة، بالكاد تجد موطئ قدم، معظم الزبائن من جيل الشباب الصغار، أثناء بحثي عن طاولة خالية لمحت رجلاً من بعيد لا يمكن أن تخطئه عين إنسان من جيلي، كان وحيداً ومنكباً على مائدته، تأملت فيه، كيف علك الزمان وجهه، طافت بي الأفكار، استعادت ذاكرتي أطيافاً من حضوره الكبير على شاشات التلفزيون وفي الحفلات التي كانت تقام في النوادي الرياضية والحفلات الخاصة، كان حضور سعد إبراهيم يثير صخباً بين شباب أيامه، أدرت وجهي في كل الاتجاهات لعلّي أرى أحداً يتلصص عليه أو يشير إلى حضوره، تجاهل تام في مطعم شعبي لفنان وصف يوماً بالفنان الشعبي، ترددت أن أقتحم عليه عزلته، لعله يريدها أو فرضت عليه فأدمنها، لماذا أفسد عليه خلوة الإهمال، خشيت أيضاً أن أنكأ جرحاً جف عليه الدم المتسرب كما يحدث مع الجروح العصية على الاندمال.

في يوم من أيام شهرته وقف في إحدى الحفلات بطلاً متوجاً تملأ وجهه ابتسامة غرور وإحساس متخم بالمجد في صراع مع محاولة فاشلة للتعبير عن التواضع، وأخيراً قررت أن أمنحه قليلاً من انتباه الكون، لا يمكن لفنان ملأ العالم يوماً بفنه أن ينتحي في زاوية في مطعم دون أن يحس بحضوره أحد، ليس من العدل ألا يجد من يتبرع من باب المجاملة بدفع فاتورته المتواضعة، حسبت تصرفي لفتة كريمة من أهل هذا الكون ليعرف الفنان أن هناك من يعرفه وهناك من لم ينسه بعد، احتفى بي بتواضع وبكلمات مجاملة وأصر أن أجلس معه، تبادلنا حديثاً حذراً يدور حول الفن لكنه لا يفتح باباً على الماضي أو باباً على المستقبل، تبين لي أن فنان (يا غايتي يا مرادي) قد مات منذ زمن بعيد.

عندما قرأت خبر موت عبدالقادر حلواني بحثت عن سعد إبراهيم أيضاً، فجعت أن غوغل قدم لي قبل أن أقع عليه عدة رجال يحملون اسم سعد إبراهيم، إلى هذه الدرجة غاص في النسيان!.

*نقلا عن الرياض

قبل أن تذهب