العلم والتواضع.. قراءة في تجربة لِنداو
خلال الأيام القليلة الفائتة كنت مع 70 عالما حائزا على جائزة نوبل في مدينة لِنداو الألمانية التي تنظم لقاء سنويا للحاصلين على الجائزة منذ عام 1951م، ما لفت انتباهي هو التواضع الجم الذي عليه هؤلاء العلماء، ولم يكن هذا مستغربا بالنسبة لي فقد سبق أن شارك اثنان منهم في تحكيم جائزة اليونسكو / عبدالله الفوزان لتشجيع العلماء الشباب وزار أحدهم مدينة الرياض في اللقاء الذي تنظمه الجائزة وشارك العلماء السعوديين الشباب في نقاشهم وحواراتهم وقام بتوجيههم. في الواقع ان هذا التواضع اثارني فنحن نقول "من تواضع لله رفعه" لكن لم أجده بين كثير من العلماء العرب، لا أعلم لماذا؟ لكن قد يكون الأمر مرتبطا بالندرة فإن تكون على قمة العلم في منطقة يندر فيها الاهتمام بالعلماء يجعل من القمة مغرية. هذا المشهد في لِنداو يعيد طرح سؤال جوهري حول العلاقة بين العلم والهيبة، وهل الهيبة تُكتسب من المعرفة أم من الطريقة التي يحمل بها العالم معرفته. فهؤلاء العلماء الذين بلغوا ذروة الإنجاز الإنساني لا يتعاملون مع العلم بوصفه سلطة، بل بوصفه مسؤولية. تواضعهم ليس سلوكًا اجتماعيًا فحسب، بل هو امتداد طبيعي لفلسفة العلم نفسها: كلما اتسعت دائرة المعرفة اتسعت معها دائرة المجهول، فيصبح العالم أكثر قربًا من الناس وأقل رغبة في التمايز عليهم. ولعل ما يلفت النظر أن هذا التواضع لا يأتي من فراغ، بل من بيئة علمية رسخت عبر عقود طويلة قيمة الحوار المفتوح واحترام السؤال وتقدير الجهد الجماعي. هذا لا يعني ان التواضع محصور على الآخر، بل إن عالما بحجم عمر ياغي كان محاورا للعلماء الشباب حول العالم الذين عادة ما يشارك بين 600 أو 700 منهم في هذا اللقاء الذي ينظم من اجلهم كي يكونوا الفائزين بنوبل في المستقبل. مثل هذه اللقاءات تخلق الحافز وتعلم التواضع وهذا ما صنعه ياغي في حواره العميق مع مجموعة متنوعة علميا وثقافيا وجغرافيا. بعد تلك الجلسة تجمع أولئك الشباب حوله في حوارات جانبية امتدت فترة طويلة وقام بالتصوير مع كل واحد منهم. بالنسبة لي كنت أراقب ما يحدث فحتى تخلق ثقافة علمية حية يجب أن تكون مكتملة الأركان، ويجب أن تخلق المجتمع العلمي الذي يتوارث تقاليد البحث ومنهجياته وقبل ذلك يجب أن توجد الرابطة بين العالم والمتعلم. إن حضور عالم بحجم عمر ياغي وغيره من العلماء في مثل هذا الفضاء العلمي لا يضيف قيمة معرفية فحسب، بل يرسّخ نموذجًا للعلاقة بين الأجيال العلمية؛ علاقة لا تقوم على التلقين، بل على المشاركة، وعلى الإيمان بأن المعرفة تُبنى عبر الحوار. وهذا ما يجعل من لِنداو مختبرًا اجتماعيًا بقدر ما هو مختبر علمي؛ فهنا تتشكل ملامح المستقبل العلمي من خلال التفاعل بين الخبرة العميقة والطموح اليافع. إن ما شاهدته في تلك اللحظة، التفاف الشباب حول ياغي، رغبتهم في الحديث معه، حرصه على الاستماع لهم، يعكس جوهر الفكرة التي طالما تحدث عنها علماء الاجتماع العلمي: أن العلم لا يعيش في المختبرات وحدها، بل يعيش في المجتمعات التي تتبناه، وفي الروابط التي تنشأ بين من ينتج المعرفة ومن يتعلمها. بين جلسات الحوار والمحاضرات كانت فترات الراحة عبارة عن مداولات وبناء شبكة العلاقات لكل من شارك في اللقاء. لكن جلسات الحوار، خصوصا تلك التي كان جميع المشاركين من العلماء الكبار مشاركين فيها، تناولت قضايا تمس المستقبل ووجود الإنسان بشكل عام، لكن اللافت هو تقبل رأي الآخر، حتى لو كان مخالفا بشكل كامل. التواضع لا يظهر فقط في تقبل العلماء الأقل منك علما، بل في القدرة على التعبير عن الثقة في النفس بأسلوب لا يثير الآخر أو يقلل من حضوره وقيمته. هذه اللحظات تكشف الوجه الآخر للعلم؛ وجهه الاجتماعي الذي لا يقل أهمية عن المختبرات والمعادلات. ففي تلك الفترات القصيرة يتشكل ما يمكن تسميته «النسيج الخفي» للمجتمع العلمي: علاقات، صداقات، تبادل خبرات، وفتح أبواب جديدة للتعاون. أما الجلسات التي جمعت العلماء الكبار فقد كانت نافذة على القلق الإنساني المشترك: مستقبل الإنسان، حدود التقنية، أخلاقيات الاكتشاف، ومصير الكوكب. ورغم اختلاف الخلفيات والتخصصات، كان هناك استعداد عميق للاستماع، حتى حين يكون الرأي المطروح على النقيض تمامًا. إن التواضع العلمي ليس مجرد سلوك لطيف، بل هو قدرة على حمل المعرفة دون أن تتحول إلى سلطة. العالم الحقيقي لا يحتاج إلى أن يثبت مكانته، لأن مكانته تتجلى في طريقة حديثه واحترامه للآخر وقدرته على التعبير عن قناعاته دون أن يفرضها. وهذا ما رأيته يتجسد في لِنداو: ثقة لا تتعالى، وعمق لا يستعرض نفسه، وحضور لا يلغى حضور الآخرين. وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر أمامنا: أن نبني بيئة علمية تجعل من التواضع قيمة لا خيارًا، وأن نعيد صياغة العلاقة بين العالم والمتعلم، بين المعرفة والإنسان، حتى يزدهر العلم في بيئة تحترم الإنسان قبل الإنجاز.
نقلا عن "الرياض"
اختيار المحررين
-
العراق يستعيد هيبة الدولة.. ويطلق معركة حصر السلاح والفساد معاً العراق منذ ساعتين -
في الـ 83 من عمرها.. مصرية تحقق حلمها وتنال الدكتوراه مصر منذ 3 ساعات -
56 حالة زائدة دودية في منطقة واحدة بالسودان.. لغز طبي والسلطات تحقق السودان منذ 3 ساعات -
قد يصلح للحياة.. اكتشاف كوكب خارق شبيه بالأرض علم منذ 7 ساعات