قوانين الروبوتات في السعودية
لم يعد الحديث عن الروبوتات جزءًا من الخيال العلمي، فقد أصبحت تؤدي مهام في المستشفيات، والمصانع، والمطارات، والمستودعات، والفنادق، وحتى في خدمة العملاء. ومع التوسع المتوقع في استخدام هذه التقنيات ضمن مشاريع رؤية المملكة 2030، يبرز سؤال قانوني مهم: هل الأطر التشريعية الحالية قادرة على تنظيم العلاقة بين الإنسان والروبوت؟
في الوقت الراهن تنظم الأنظمة السعودية المسؤولية المدنية والجنائية والعقدية على أساس أن الفعل يصدر من شخص طبيعي أو اعتباري. أما الروبوت المستقل القادر على اتخاذ قرارات دون تدخل مباشر من الإنسان، فإنه يثير إشكالات لم تعالجها التشريعات التقليدية بصورة كاملة. فإذا تسبب روبوت في إصابة شخص داخل مستشفى، فمن يتحمل المسؤولية؟ هل المصنع؟ أم المبرمج؟ أم الجهة المالكة؟ أم المشغل الذي لم يقم بالصيانة؟ أم تتوزع المسؤولية بينهم وفق نسبة مساهمة كل طرف في وقوع الضرر؟
هذه الإشكالية دفعت عددًا من الدول إلى البدء في وضع أطر تنظيمية استباقية. فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي نهجًا يقوم على تصنيف أنظمة الروبوتات والأنظمة الذكية وفق مستوى المخاطر، مع فرض التزامات تختلف باختلاف درجة الخطورة، مثل متطلبات السلامة، وإدارة المخاطر، والشفافية، وإمكانية تتبع القرارات. ويساعد هذا النهج في تحديد المسؤوليات قبل وقوع الحوادث بدلًا من انتظار النزاعات أمام المحاكم.
وفي اليابان، حيث تستخدم الروبوتات على نطاق واسع في الرعاية الصحية ورعاية كبار السن، ركزت السياسة التنظيمية على وضع معايير تشغيل وسلامة دقيقة، مع إلزام الجهات المشغلة بالتدريب المستمر، وإجراء اختبارات دورية، وإبقاء الإنسان صاحب القرار النهائي في الحالات الحساسة التي تمس سلامة الأفراد.
أما الولايات المتحدة، فقد اتجهت إلى معالجة المسألة من خلال تطوير قواعد المسؤولية المدنية، مع ترك مساحة كبيرة لاجتهاد القضاء في توزيع المسؤولية بين المصنع والمبرمج والمشغل بحسب ظروف كل واقعة. وقد ساعد هذا الأسلوب على مواكبة التطور التقني دون الحاجة إلى إصدار تشريع جديد مع كل تطور يظهر في السوق.
ومن المتوقع أن تواجه المملكة في المستقبل أسئلة قانونية أكثر تعقيدًا مع انتشار المركبات ذاتية القيادة، والروبوتات الطبية، والروبوتات الأمنية، والطائرات دون طيار العاملة بصورة مستقلة. وستحتاج هذه التطبيقات إلى قواعد واضحة تحدد شروط الترخيص، ومتطلبات السلامة، وآليات التحقيق في الحوادث، وحفظ بيانات التشغيل، وإثبات العلاقة بين الخطأ والضرر.
كما يبرز جانب آخر لا يقل أهمية، وهو حماية خصوصية الأفراد. فالروبوتات الحديثة تجمع كميات كبيرة من الصور والأصوات والبيانات أثناء أداء مهامها، الأمر الذي يستوجب وضع ضوابط دقيقة لكيفية جمع هذه البيانات، ومدة الاحتفاظ بها، والجهات التي يسمح لها بالاطلاع عليها، مع ضمان توافق ذلك مع الأنظمة الوطنية الخاصة بحماية البيانات.
ومن المسائل التي تستحق الاهتمام أيضًا إنشاء سجل وطني للروبوتات عالية الخطورة، يتضمن بيانات المصنع، والمالك، وسجل الصيانة، والتحديثات البرمجية، والحوادث السابقة. ومن شأن هذا السجل أن يسهل التحقيق في الحوادث، ويرفع مستوى الشفافية، ويعزز الثقة في استخدام هذه التقنيات.
التجارب الدولية تؤكد أن نجاح التشريعات لا يقاس بعدد النصوص النظامية، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الإنسان. ولهذا فإن إعداد إطار قانوني سعودي ينظم استخدام الروبوتات قبل انتشارها الواسع سيكون خطوة استباقية تعزز البيئة الاستثمارية، وتحد من المنازعات المستقبلية، وتمنح المملكة نموذجًا تشريعيًا يواكب التحول التقني الذي تشهده في مختلف القطاعات.
المستقبل القانوني لن يكون منشغلًا بتنظيم تعامل الإنسان مع الإنسان فقط، وإنما بتنظيم علاقة الإنسان بالآلة أيضًا، وهي علاقة ستزداد تعقيدًا مع تطور قدرات الروبوتات واتساع نطاق اعتمادها في الحياة اليومية، الأمر الذي يجعل الاستعداد التشريعي المبكر ضرورة تفرضها سرعة التطور التقني.
نقلا عن "الوطن"