مباشر

نهاية احتكار الخبر

عادل الحربي
نشر في: آخر تحديث:

لا خلاف على أن الإعلام التقليدي يواجه تحديات مالية حقيقية بعد انتقال جزء كبير من الإعلانات والجمهور إلى المنصات الرقمية، كما أن شبكات التواصل الاجتماعي كسرت احتكار المؤسسات الإعلامية لسرعة نشر الخبر، إذ أصبح مقطع يصوره شاهد عيان بهاتفه قادرًا على الوصول إلى ملايين الأشخاص قبل أن تتحرك غرف الأخبار.. كذلك لم تعد المؤسسات وحدها من تقرر ما يراه الجمهور، بعدما أصبحت “الخوارزميات” عنصرًا مؤثرًا في انتشار المحتوى أو انحساره، لكن كل ذلك لا يعني أننا نشهد غروب الإعلام التقليدي، بقدر ما نشهد نهاية عصر احتكاره.

فالخبر الأول لم يعد بالضرورة من إنتاج الصحفي، لكن التحقق منه، ووضعه في سياقه، وربطه بما سبقه وما سيترتب عليه، لا يزال مهمة الصحافة المهنية؛ فاليوم يستطيع أي شخص أن ينقل حدثًا، لكن ليس الجميع قادرًا على إنتاج معرفة موثوقة حوله، لذلك تبدو الأزمة الحقيقية أعمق من جدلية الورق والرقمي، فالصحافة بوصفها مهنة ومؤسسة للتحقق وصناعة المعرفة العامة، مازالت تؤدي دورًا لا تستطيع المنصات وحدها أن تحل محله.

ولعل أبرز مظاهر هذا التحول أن الجمهور لم يعد يرتبط بالمؤسسة وحدها، بل أصبح يرتبط أيضًا بالصحفي المهني الذي يثق به؛ فالإيطالي فابريزيو رومانو أصبح بالنسبة لملايين متابعي كرة القدم المصدر الأول لأخبار الانتقالات، حتى إن كثيرًا منهم لا يعرفون المؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها بقدر ما يعرفون اسمه ويثقون بما ينشره.

والمشهد ذاته يتكرر محليًا مع الأستاذ مالك الروقي، الذي بات حسابه في منصة (إكس) من أبرز المصادر التي يتابعها الجمهور لقراءة الأخبار ومتابعتها، بينما قد لا يعرف كثيرون المؤسسة الصحفية التي يعمل فيها، وكلاهما خرج من مدارس صحفية ومؤسسات إعلامية صقلت موهبته ورسخت معاييره المهنية، فمازالت هذه المؤسسات مصانع للمواهب الصحفية، تكتشف الكفاءات وتصقلها وتمنحها أدوات المهنة، وستظل قادرة على إنتاج أسماء جديدة؛ لتبقى المؤسسة الحاضنة الأهم لاكتشاف المواهب وصقلها.

وانتهاء زمن احتكار المؤسسات للمعلومة لا يعني انتهاء الحاجة إليها.. بل إن اتساع مساحة المحتوى غير الموثوق، وسرعة انتشار الشائعات، جعلا الحاجة إلى الإعلام المهني أكبر من أي وقت مضى، وإن تغيرت أدواته ومنصاته؛ ولهذا فإن المؤسسات التي ستنجح ليست بالضرورة الأقدم عمرًا، ولا الأكثر انتشارًا في الماضي، وإنما الأكثر قدرة على التكيف مع البيئة الرقمية، وفهم سلوك الجمهور، واستثمار التقنيات الجديدة دون التفريط بقيم المهنة.

المعركة إذن ليست بين الورق والشاشة، ولا بين الصحيفة والهاتف، بل بين المحتوى المهني الموثوق والمحتوى غير الموثوق. وهذا هو التحول الذي يستحق أن نراقبه ونستثمر فيه، بعيدًا عن جدلية التقليدي والجديد.

نقلا عن "الرياض"

قبل أن تذهب