السعودية.. تكبح عبث أطباء التواصل
خلال الفترة الماضية ثار على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى وسائل الإعلام جدل كبير ارتبط بآراء طبية مثيرة للجدل؛ روّج لها بعض الأطباء دون أدلة علمية كافية، مما تسبب في حدوث بلبلة كبيرة بين المتابعين، لا سيما أن بعض أولئك الأطباء يتمتعون بشهرة في بلدانهم. ومما زاد من خطورة تلك المزاعم، ما نعايشه من انتشار سريع للمعلومات عبر الفضاء الرقمي، حيث لم يعد تأثير هذه الآراء محصورا في نطاق ضيق، بل بات يصل إلى ملايين المتابعين، بعضهم من المرضى الذين يبحثون عن بصيص أمل في مواجهة أمراض خطيرة أو مزمنة.
وتكمن المشكلة أحيانا في أن بعض هذه الطروحات لا تقتصر على تقديم رأي طبي مختلف، أو طريقة جديدة للعلاج، بل إنها تتجاوز كل ذلك أحيانا إلى التشكيك في جدوى العلاجات المعتمدة علميا، أو الدعوة إلى إيقافها واستبدالها بوسائل بلدية أو سلوكية غير مثبتة الفعالية، وهو ما أدى في كثير من الحالات إلى دفع المرضى نحو قرارات صحية خطيرة، ترتبت عليها مضاعفات جسيمة، أو خسارة فرص علاجية مؤكدة.
ومع أن الطب علم متطور، وأن الاختلاف العلمي بين المختصين أمر طبيعي ومطلوب في كثير من الحالات؛ من أجل تطوير المعرفة العلمية، إلا أن هذا الاختلاف ينبغي أن يبقى محكوما بضوابط وأدوات معروفة، وأن يمارس وفق أصول وقواعد تستند إلى دراسات محكمة وأبحاث منشورة ومؤتمرات علمية ولجان متخصصة. أما أن تتحول الخلافات العلمية إلى رسائل إعلامية مباشرة موجهة إلى عامة الناس دون أدلة كافية، فإن ذلك يُحدث حالة من الارتباك لدى المرضى وأسرهم.
فالمريض الذي يعاني من مرض مزمن لا شك أنه يبحث عن طريقة للشفاء، وحين يشاهد أحد الأطباء يتحدث بثقة عن عدم جدوى العلاج الذي يتناوله، أو يروّج لبديل غير معتمد باعتباره العلاج الحقيقي الذي يتجاهله الآخرون، فإنه ربما يتأثر بما يسمعه. وفي هذه البيئة المشوّشة، تصبح المعلومة الطبية أداة قد تنقذ حياة إنسان أو تعرّضها للخطر، وهو ما يفسّر تشدّد الهيئات الصحية العالمية تجاه نشر الادعاءات الطبية غير المستندة إلى الأدلة.
إذا نظرنا إلى الواقع في بلادنا سنجد أن النموذج السعودي يمثل نموذجا لأهمية الرقابة المهنية والتنظيم المؤسسي في القطاع الصحي. فالمملكة تمتلك منظومة تنظيمية واضحة لممارسة المهن الصحية، وتشرف عليها جهات متخصّصة تتابع التزام الممارسين بالأنظمة المهنية والأخلاقية. كما تبدي حرصا واضحا على استناد الممارسة الطبية للترخيص والالتزام المهني والضوابط القانونية، مع وجود إجراءات لمحاسبة المتجاوزين. ولا تتهاون السلطات الصحية مع أي تجاوزات أو انتهاكات لأخلاقيات المهنة.
وفي حالات متعدّدة، سارعت وزارة الصحة لإحالة عدد من الممارسين الصحيين إلى الجهات المختصة بسبب مخالفات مهنية ارتُكبت عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يؤكد حرصها على حماية حقوق المرضى، وضمان جودة الخدمات الصحية. كما اتخذت إجراءات قانونية ومهنية بحق ممارسين صحيين روّجوا لمنتجات صحية غير مدعومة بالأدلة العلمية الكاملة، مع التأكيد على أن التجارب الشخصية لا تمثّل دليلاً علمياً كافياً لإثبات السلامة أو الفعالية العلاجية.
ولا تكمن أهمية هذا النهج في معاقبة المخالفين فقط، وإنما في الحرص على بناء بيئة صحية قائمة على الثقة. فالمريض يحتاج للتأكد أن المعلومات التي يتلقاها من الممارسين الصحيين تخضع لمعايير علمية واضحة؛ يتم التأكد منها وفق الأطر العلمية والقانونية المعتمدة.
وينسجم هذا الحرص مع التوجه العام للمملكة نحو رفع جودة الخدمات الصحية، وتعزيز سلامة المرضى، وتحقيق أعلى معايير الحوكمة في القطاع الصحي، بما يضمن أن تبقى مصلحة المريض في مقدمة الأولويات.
من هنا فإن تشدّد الجهات الصحية السعودية في التعامل مع المخالفات المهنية والادعاءات غير المدعومة علمياً هو جزء من منظومة متكاملة تهدف لحماية المرضى وتعزيز الثقة بالممارسات الطبية المعتمدة، وترسيخ ثقافة صحية تقوم على الدليل العلمي والمسؤولية المهنية واحترام حياة الإنسان وسلامته؛ قبل أي شيء آخر.
نقلا عن "المدينة"