مباشر

معنى الحب

ملحة عبدالله
نشر في: آخر تحديث:

إن للحب معانيَ ومفاهيمَ وجدلياتٍ بين العلماء والباحثين بما أرهق أفكارهم وجفف أحبارهم، ذلك الكائن الذين نستطيع أن نعلن عن وظيفته حينما يتخذ من الوجدان مرفأً، بأن (تكون إنساناً مرتين)!

فمنذ أن سأل الإنسان الأول حتى آخر قطرة حبر "لماذا أحب؟" والحب يهرب من التعريف، فهو ليس معادلة تُحل، ولا نظرية تُثبت! الحب فلسفة قائمة بذاتها، لأنه يضع الإنسان أمام الأسئلة الكبرى: من أنا؟ ومن الآخر؟ وما معنى أن نوجد معاً؟

أولاً: الحب صعود من الجزئيات إلى الكليات الفلسفية مع أفلاطون، حين وصف الحب في "المأدبة" بأنه "سلم". نبدأ بحب جسد جميل، ثم نرتقي لنحب كل الأجساد الجميلة، ثم نحب النفوس الجميلة، ثم نحب القوانين والمؤسسات الجميلة، وأخيراً نصل إلى "مثال الجمال" المطلق. وبهذا المعنى، فالحب ليس غاية؛ الحب وسيلة، فهو الطريق الذي تعبر به الروح من حب الذات الضيِّق إلى حُب الحقيقة. فعندما نحب شخصاً فإننا لا نحبه لذاته فقط، بل لأننا نرى فيه انعكاساً لشيء أكبر: للخير، للصدق، وللجمال الذي نشتاق إليه، ولذلك كل حب كبير يترك فينا أثراً حتى بعد أن ينتهي لأنه علّمنا كيف نرى العالم بشكل أجمل هذا أولا.

ثانياً: الحب اعتراف متبادل، حيث انتقل هيغل بالحب من السماء الأفلاطونية إلى أرض الواقع، قال: "الوعي الذاتي لا يتحقق إلا باعتراف وعي الآخر به". فببساطة ويسر، نحن لا نعرف من نحن إلا حين يرانا الآخرون، وبذلك أصبح الحب وسماً للوجود واعترافاً به، والاعتراف بالوجود يعني الحياة والخلود. ففي الحب يحدث هذا الاعتراف في أقصى صوره، حين يراك الآخر وتراه بقلب الوجدان، فجأة يصبح للوجود وزناً. الألم يصبح له معنى، والفرح يتضاعف، ولكن هيغل كان صارماً حين اشترط هذا الاعتراف بأنه يجب أن يكون بين حرين يتمتعان بكامل حريتيهما.

فحين يتحول الحب إلى امتلاك أو تبعية يؤدي إلى فقد معناه، فالمحب يجب أن يعترف بحرية الآخر الكاملة في أن يحبه أو لا يحبه.. وهذا هو التوتر الأخلاقي في قلب المحب: أريدك بكل كياني، وفي الوقت نفسه لا امتلكك.

ثالثاً: الحب اختيار ومسؤولية، إذ إنه قرار، والحب الحقيقي هو أن تستيقظ كل صباح وتختار الشخص نفسه، رغم الملل، رغم الخلاف، رغم تغير الظروف، لكن ليفيناس ذهب لأبعد، قال إن وجه الآخر هو أمر أخلاقي. عندما أنظر في عينيك، أنت لا تطلب مني حباً فقط، أنت تطلب: "لا تؤذني"، فلا يقترن الحب بالأذى على الإطلاق سواء أذى المشاعر أو أذى الجسد، فربما مجرد كلمة واحدة سددت سهاما قاتلة لقب كيوبيد فأردته قتيلاً، فلا يستيقظ أبداً مهما كان الأسف ومهما كان الندم، فقط تم إعلان الوفاة!

إذاً الحب يبدأ كمسؤولية، قبل أن يكون متعة، هو تكليف قبل أن يكون أمراً وطاعة، أن أضع ضعفك في اعتباري قبل قوتي، وأن أجعل كرامتك مقدمة على راحتي.

رابعاً: الحب والزمن، يقول هنري بيرغسون إن للإنسان زمنين: زمن الساعة، وزمن الشعور. والحب يسكن الزمن الثاني، مع من نحب، الدقيقة تتمدد لتصبح دهراً، وبُعدهما، يصبح الدهر دقيقة ثقيلة فيقول: "إن زمن الشعور وهو المدة الحية/ الديمومة، هو الزمن النفسي الداخلي الذي نختبره ونشعر به، يتميز بأنه كيفي ومتصل (لا يمكن تجزئته)، كأنه لحن موسيقي لا تكتمل معانيه إلا بتدفقه كوحدة واحدة"، وذلك هو زمن شعور الحب لديه، هو لا يخضع لقياسات، فقد تمر لحظات قصيرة مع من نحب دقائق معدودة، لكنها تشعرنا بخلود وسعادة تعادل أعماراً كاملة، بينما تبدو لحظات الانتظار قصيرة زمنيًا، لكنها تُمثل دهرًا ثقيلًا على القلب في زمن الشعور!

والحب أيضاً هو مقاومتنا الوحيدة ضد الموت، نحن نحب لأننا نريد أن نترك أثراً في زمن شخص آخر، نريد أن نقول: "كنا هنا، وقد أحببنا"، لذلك كل قصة حب هي محاولة صغيرة لصناعة الخلود.

خامساً: مفارقات الحب متناقضة بطبعها، هي ضعف وقوة في آن، نحن نكون في أضعف حالاتنا حين نحب، لأننا سلّمنا للآخر مفاتيح فرحنا وحزننا، وفي اللحظة نفسها نكون في أقوى حالاتنا، لأننا تجرأنا أن نكون عراة تماماً أمام إنسان آخر بلا أقنعة. فللحب أيضاً عقل وله جنون، فهو أكثر الأشياء عقلانية حين يدفعنا لنبني بيتاً ونربي أبناء ونخطط للمستقبل، وهو أكثر الأشياء جنوناً حين يدفعنا لفعل أشياء لا نفهمها ولا نبررها.

سادساً: هل للحب فلسفة في عصرنا؟ في زمن التطبيقات والعلاقات السريعة، صار الحب سلعة، فنختار كما نختار منتجاً، لكن الفلسفة تذكرنا أن الحب لا يمكن اختزاله، فالحب ليس "توافقاً". الحب هو أن نختار الاختلاف لنبقى.. كما أن الحب ليس "كيمياء" بل هو قرار أخلاقي، كما أنه ليس "احتياجاً"، بل هو وفرة عطاء وتفانٍ وإيثار بكل المعاني.. ربما لهذا السبب نخاف من الحب، لأنه يطالبنا بأكثر مما نملك، بالصدق، بالصبر، بالحرية، وبالتخلي.

فلسفة الحب تقول شيئاً واحداً: أن تكون إنساناً معناه أنك لا تكتفي بنفسك، نحن لا نحب لنسد نقصاً فينا. نحن نحب لنشهد أن هذا العالم يستحق أن يُحَب، أن هناك قيمة في شخص آخر، تستحق أن نبذل من أجلها وقتنا وعمرنا وقلبنا.

الحب ليس جواباً عن كل الأسئلة، لكنه الدليل الوحيد على أن السؤال نفسه يستحق أن يُسأل، طالما هناك من نحبهم، وطالما هناك من يحبوننا، فمعنى ذلك أننا لم نفقد إنسانيتنا بعد. وأن الحياة، رغم كل قسوتها، ما زالت جديرة أن تُعاش.

نقلا عن "الرياض"

قبل أن تذهب