مباشر

الاتفاق النووي.. شراكة استراتيجية

فهد محمد بن جمعة
نشر في: آخر تحديث:

يمثل توقيع وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان ونظيره الأمريكي كريس رايت على اتفاقية "المادة 123" للاستخدامات السلمية للطاقة النووية واتفاقية الضمانات الثنائية تحولاً استراتيجياً في مسار العلاقات السعودية الأمريكية، فالخطوة تؤسس لشراكة تمتد ثلاثين عاماً تجمع بين أمن الطاقة، ونقل التقنية، والاستثمار الصناعي، وتفتح مرحلة جديدة من التعاون في أحد أهم القطاعات المستقبلية.

وتأتي الاتفاقية في وقت يشهد فيه الطلب المحلي على الكهرباء نمواً متسارعاً، ما يجعل الطاقة النووية خياراً استراتيجياً لتوفير مصدر مستقر ومنخفض الانبعاثات للكهرباء. كما تسهم في تنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما يتيح توجيه كميات أكبر من النفط والغاز إلى التصدير والصناعات ذات القيمة المضافة، ويعزز الإيرادات الوطنية وكفاءة استغلال الموارد. كذلك توفر طاقة أساسية مستقرة تدعم الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وتحلية المياه والصناعات الثقيلة.

ويؤسس الاتفاق لقاعدة صناعية وتقنية متقدمة عبر التعاون مع الشركات الأمريكية في تصميم المفاعلات وبنائها وتشغيلها، ونقل المعرفة، وتأهيل الكفاءات الوطنية، بما يرفع المحتوى المحلي ويعزز البحث والتطوير. كما يتيح دراسة جدوى إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل المملكة بالتعاون مع شركات أمريكية، مستفيداً من الاحتياطيات المحلية من خامات اليورانيوم، وهو ما يمهد لبناء سلسلة قيمة نووية متكاملة تبدأ بالتعدين وتنتهي بإنتاج الوقود النووي، بما يعزز الاستقلالية الصناعية ويضيف قيمة اقتصادية للموارد الوطنية على المدى الطويل.

ومن أبرز ما يميز الاتفاق أنه يختلف عن بعض اتفاقيات "المادة 123" السابقة التي تضمنت ما يعرف ب"المعيار الذهبي"، والقائم على تخلي الدولة المتعاقدة عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي. أما الاتفاق الحالي، فلا يتضمن هذا الشرط، ما يتيح للمملكة دراسة تطوير دورة الوقود النووي ضمن إطار التعاون مع الولايات المتحدة، مع خضوع البرنامج لاتفاقية الضمانات الثنائية ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن الالتزام بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية ومتطلبات منع الانتشار النووي.

ومن الجانب الأمريكي، يمثل الاتفاق مكسباً اقتصادياً واستراتيجياً مهماً، إذ يفتح سوقاً واعدة أمام شركات التكنولوجيا النووية الأمريكية، وفي مقدمتها "ويستنغهاوس"، للمشاركة في تصميم وبناء مفاعلات من طراز AP1000 ، بقدرة 1100 ميجاواط كهربائي لكل مفاعل، إلى جانب توفير خدمات التشغيل والصيانة وإمدادات الوقود النووي على مدى عقود. كما يعزز الحضور الأمريكي في قطاع استراتيجي بالشرق الأوسط، ويمنح واشنطن أفضلية تنافسية في مواجهة القوى الدولية الأخرى.

ولا يقتصر هذا الاتفاق على التعاون في مجال الطاقة، بل يجسد تحولاً في طبيعة العلاقات السعودية الأمريكية نحو شراكة استراتيجية متكاملة تجمع بين المصالح الاقتصادية والأمنية والتقنية. فالمملكة تعزز مسار تنويع اقتصادها، وتوطين التقنيات المتقدمة، وبناء صناعة نووية سلمية ذات قيمة مضافة، بينما تعزز الولايات المتحدة حضورها الصناعي والاستثماري في أحد أكبر مشاريع الطاقة المستقبلية في المنطقة، ليصبح الاتفاق نموذجاً لتكامل المصالح بين التنمية الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية طويلة الأجل.

نقلا عن "الرياض"

قبل أن تذهب