العيش على كف عفريت!
لم يعد الشرق الأوسط ذلك الإقليم المستقر، الذي يمكن التنبؤ بمساراته عبر موازين الدبلوماسية والقوة التقليدية أو حسابات الردع الدولية القديمة.
فالمواجهة العسكرية التي اندلعت بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كشفت أن المنطقة أكثر تعقيدا بكثير مما تصورته وسوقت له غرف القرار في واشنطن وتل أبيب.
فقد بدا في البداية أن الضغوط العسكرية والسياسية ستفرض على إيران خيار الاستسلام، لكن الأيام أثبتت أن طهران تمتلك أبواب تحويل الأزمات إلى أوراق تفاوض لنقل الصراع إلى ساحات لم تكن مطروحة أصلا ضمن الحسابات الأولى.
ويكفي النظر إلى مضيق هرمز لفهم حجم هذه القفزة.
فالمضيق تحول تدريجيا إلى أحد أهم مفاتيح التفاهم والضغط، وأصبح معادلة سياسية وأمنية تتجاوز حدود الحرب نفسها، ما منح إيران فرص المناورة والتفاوض، وأدخل الاقتصاد العالمي في حسابات تراكمية.
أما دول الخليج العربي، فقد وجدت نفسها مجبرة على تحمل التعديات عليها وتحمل أعباء إعادة تعمير إيران، بمنطق ترامبي أعوج.
حيرة تتنامى وتعمق شعور دول الخليج بأن الاستقرار الإقليمي بات رهينة حسابات هشة.
وفي لبنان، محاولات لحل الخلافات الداخلية، بعيدا عن هيمنة إيران، وتكريسها للتقرب من إسرائيل.
وفي سوريا والسودان تتجمع علامات العجب!
وفي العراق ذريعة ضبط فساد، تحاول الهروب من سيطرة إيران.
وتنطبق التدخلات ذاتها في حوثي اليمن بعودة التوترات البحرية والتهديدات الأمنية لتؤكد أن أدوات النفوذ الإيرانية ما زالت قادرة على التأثير في مسارات التجارة والأمن الإقليمي، رغم الحرب على طهران والضغوط العسكرية والسياسية عليها.
ورغم ما ظهر من مؤشرات على وجود خلافات داخل المشهد الإيراني، فإن تلك التباينات لم تتحول إلى الانقسام العميق الذي راهنت عليه بعض القوى الغربية.
فقد بقيت مؤسسات الدولة متماسكة بالحد الأدنى الذي يمنع انهيار القرار السياسي رغم وجود الشتات.
وفي الوقت نفسه، لم تعد التحالفات الدولية تتمتع بصلابة المصداقية، التي كانت تبدو عليها.
فالعلاقة بين أمريكا وحلفائها، وتنافسها مع روسيا والصين، أضفيا على المشهد مزيدا من التعقيدات، وكل طرف يبحث عن فرصة للحضور غير المباشر، وتعزيز موقعه دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، وهو ما يجعل المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات في كل لحظة.
إن أخطر ما يطغى بالشرق الأوسط اليوم ليس كثرة الأزمات، بل انهيار اليقين.
فلا اتفاق يبدو دائما، ولا شراكة تبدو مضمونة، ولا خصومة تبقى على صورتها الأولى.
ومن هنا تكون أمريكية دونالد ترامب، أمام محك بالغ الحساسية، إذ إن أي خطأ في إدارة هذه الملفات قد يتحول إلى عبء داخلي عليه في ظل الاستحقاقات الانتخابية النصفية، بينما يبقى الشرق الأوسط كله يواجه مرحلة تحديات عظيمة تحتاج إلى قدر أكبر من الوعي والعقلانية والتواضع السياسي، فزمن الحسابات السهلة قد ولى، وحل محله الذكاء السياسي والشراكات الفاعلة وتتبع المفاجآت التي لا تعترف بثوابت الأمس.
في الشرق الأوسط اليوم، لن تستطيع معرفة هل أنت القوي المدعوم أو المضحوك عليه، الشريك الآمن أو المضغوط عليه المستهدف، إن لم تختبر كف العفريت، الذي تعيش فوقه!
نقلا عن "مكة"
اختيار المحررين
-
أحمد عز يدفع أكثر من نصف مليون جنيه نفقة لزينة قبل الحكم عليه ثقافة وفن منذ 3 ساعات -
دراسة علمية أسترالية: السباحة تساعد في تخفيف أوجاع أسفل الظهر علم منذ 7 ساعات -
العلم يؤكد لعشاق القهوة: يمكنكم الاستمتاع بـ5 فناجين يومياً لكن بشرط علم منذ 9 ساعات -
العلم يحذر: المشكلات المادية تجعل المخ يشيخ قبل الأوان علم منذ 8 ساعات