مباشر

حالة مرضية

بدر الدين الإدريسي
نشر في: آخر تحديث:

لم يكن المفتونون بكرة القدم الانجليزية وبخاصة من يصرون على أنها الأكثر جلبا للمتعة وإغراء للعين، قد أفاقوا من صدمة السقوط المنطقي للمان سيتي أمام برشلونة في ذهاب الدور ثمن النهائي لعصبة أبطال أوروبا، حتى ضربهم إعصار آخر أكثر قوة على سلم الدهشة ونادي الأرسنال يفجع بميدانه بملعب الاتحاد من نادي موناكو الفرنسي الذي بدا للكل أنه من أخف عيارات هذا الدور، وأنه مودع لا محالة لمسابقة لا تقبل أبدا بالصغار.
ساد الاعتقاد بأن لاعبي المان سيتي وبخاصة مدربهم الشيلي بليجريني تفطنوا إلى ما يوجد من مسافات فنية وتكتيكية بينهم وبين من صدروا للعالم واحدة من أقوى الثورات في منظومات اللعب الحديثة، وأن الدرس من سقوط العام الماضي قد جرى استيعابه بالكامل، ومن ثم فما أظهره برشلونة هذا العام تحديدا من تقلص لمساحات الإبداع بحكم ما يطرأ من نحت على «التيكي تاكا» لإنقاذها من الموت السريري، كان يوحي بأن السيتيزن سيعيدون برمجة الحاسوب التكتيكي لضبطه على كل هذه المتغيرات.. للأسف، ما حدث شيء من هذا، فقد كرر المان سيتي نفس الأخطاء، عرى على نفس التقرحات الفنية وقدم لنا صورة من ابتذال المنظومة ومن العجز المركب على التحليق في مدارات الكبار، وأبدا لم يفق من هذيانه إلا وبرشلونة متقدم عليه بنهاية الجولة الأولى بهدفين نظيفين، وكان ممكنا أن تكون الحصة أهول والمحصلة أفظع.
ليس من المنطق أبدا أن يتعلل بليجريني بحالة الضياع الغريبة التي حدثت للاعبيه بخاصة في الجولة الأولى ولا بالانفصام الذي يحدثه برشلونة داخل خصومه بما يأتيه عباقرته من أداء خرافي، وليس من الحكمة أن يصنف غياب الفيل الإيفواري يايا توريه في عداد المبررات المساقة للتخفيف من وطأة السقوط، كما لا يمكن قطعا أن نستصيغ الصورة المستهجنة والطريقة الفجة التي تدبر بها نادي الأرسنال مباراته أمام موناكو الفرنسي، فلا شيء على الإطلاق يبرر ما كان عليه رجال أرسين فينغر من عجز مركب في تطويع فريق تمكن بخامات فنية متوسطة من حرق المنظومة الدفاعية للأرسنال ومن إسقاط البيت فوق رؤوس لاعبي الأرسنال.
برغم ما يوجد أصلا من فوارق لا يقاس عليها في الموروث والمرجعيات والخوارق البشرية بين برشلونة الإسباني وموناكو الفرنسي، إلا أن المشترك الكبير في سقوط المان سيتي والأرسنال بمعقليهما، هو أن الكرة الإنجليزية لم تستطع إلى اليوم أن تضع منظوماتها في قوالب الزمن الكروي الجديد، أن تفتح النوافذ والشرفات لتستنشق كل الهواءات الكروية الجميلة التي تهب من هذه القارة أو تلك ومن هذا البلد أو ذاك على المشهد الكروي العالمي، الكرة الانجليزية تكاد تكون صورة من الفكر البريطاني المحافظ على إرثه لحد الانغلاق والمتحفظ في الانفتاح على الفلسفات الكروية الأخرى لحد الإصابة بالتوحد برغم ما نلمسه ظاهريا من جذب للآخر على مستوى اللاعبين والمدربين.
حتما الأمر لم يصل إلى أن هناك عقدة يصعب التحرر منها، ولكنها حالة مرضية لا يعترف بها من هم أوصياء على الكرة الانجليزية، حالة قد يكون تشيلسي هو المستثنى الكبير منها.

*نقلا عن ستاد الدوحة القطرية

قبل أن تذهب