مباشر

التعصب الرياضي.. الهروب للأمام

سعد المهدي
نشر في: آخر تحديث:

التعصب الرياضي مصطلح تم تصنيعه، يعني أنه تم إيجاده كتوصيف فضفاض، لإخفاء مشكلة خلل سلوكي في المجتمع كله، وكان لزاما تسميته وإشهاره «تعصبا رياضيا» وإعلان الحرب عليه بما يمكن جعله عصيا عن الحل وأقرب إلى ملهاة يتسلى بها البعض ويختبئ خلفها آخرون تقع المسؤولية عليهم بالدرجة الأولى في أسباب الخلل السلوكي الذي تظهر أعراضه في الوسط الرياضي كغيره من الأوساط المجتمعية الأخرى.
راقبوا حركة سير المرور وطريقة قيادة المركبات والحوارات العنترية بأجسام المركبات وتفقدوا الوجوه المتجهمة أو المستهترة القابعة خلف مقود كل عربة، تابعوا سلوك السائقين، وشاهدوا حيلهم في كسر الأنظمة، أو كيف يمكن فهم ما يفعلونه داخل الأحياء وابحثوا عن أي تفسير للسلوك العدواني تجاه بعضهم البعض وفقدان أدب التعامل وغياب مبدأ التعاون، اسألوا لماذا هذا الاحتقان والتأزم، والاستخفاف بالأرواح والممتلكات، وذهاب الحياء، ابحثوا عن من يقف خلف هذا الفرط في حركة المركبات في الشوارع الفرعية وأمام المدارس والمساجد وحتى في البراري، والإفراط في التعدي اللفظي وتعمد ارتكاب المخالفات.
هذه المركبات صغيرها وكبيرها، من يحمل طلابا أو عمالا أو أسرا، أو متسكعين وعابري سبيل، كبارا وصغارا عقلاء وسفهاء، كلهم يدورون كتروس في عجلة انفلات سلوكي خطير، لم يجدوا من يجبرهم على التوقف حماية لغيرهم وحمايتهم من أنفسهم، هؤلاء أو كثير منهم هم من يقومون بالعبث في وسائل التواصل الاجتماعي، والفوضى عند وداخل المدارس والشوارع والوزارات، منهم من يعتقد أنه حقق حلم عمره عندما يتجاوزك عند إشارة المرور، أو في طابور بيع تذاكر، أو لفت انتباه البائع قبلك، حيث يرى أنه كائن له خصوصيته التي تجيز له أن يتقدمك في كل شيء، وبالتالي كيف يمكن أن تستثني من بين هؤلاء من في الملاعب وما يتبعهم من جماهير وإعلام؟ كلهم يرون أن هذا دورهم في الحياة وحقهم الذي يجب ألا ينازعهم فيه أحد بعد أن وجدوا من يحميهم بتعريفات ظواهر اجتماعية منفصلة كاعتبار ما يحدث من سوء سلوك وأخلاق في التشجيع والحوار والطرح الإعلامي «تعصبا رياضيا» مع أنه متصل بجذر واحد لسلوك مجتمعي مختل.
من يرتكب جرائم إلكترونية يجب أن ينسب لفئة المجرمين إلكترونيا، ويتم توصيفه ومحاسبته حسب ذلك، ومن يقذف، أو يسب ويشتم، أو يطعن في الذمم، في أي وسيلة إعلام وتواصل له حكم نظامي وشرعي، كذلك من يكذب ويختلق أو يشيع ما ينتقص من غيره أو يضر به فردا أو جماعة كل هؤلاء وبحسب الشرع وأنظمة البلاد هم ارتكبوا جرائم يجب أن يحاسبوا عليها، لا اعتباره حالة «تعصب رياضي» نتحاور عليه وحوله، أو نسلم به، نعم التشجيع الكروي ميول ويصل للانتماء لهذا النادي حد الهوس، لكن على شكل ومضات متقطعة تستدعيها ظروف ينتهي بزوالها، وما يبقى مما نظنه ارتدادات لها، إنما يحييه الخلل السلوكي ويقويه خطأ التشخيص والتساهل في العقاب.
المجتمع الرياضي لعوامل كثيرة تغيرت تركيبته، لم يعد لمن يملأهم شغف الرياضة وحماسها، من يتلذذون بطعم الانتصار ويتألمون من مرارة الهزيمة فقط، بل بات متشكلا من خليط له أهداف متضادة وتوجهات متصادمة تخلق ضجيجا وصخبا لا علاقة له بالرياضة إلا في التحشيد الجماهيري، ومعظمهم ممن دخلوا على الخط إما مجاراة وتقليدا أو لتحقيق أغراض خاصة، أو نتيجة فقدان لإطار مجتمعي يجعل لهم صوتا وهدفا، جل هؤلاء هم أنفسهم الذين شرحنا وفصلنا ما يقومون به من سلوك تم احتسابه على المجتمع الرياضي وجرى تصنيعه وتسميته «تعصبا رياضيا» حتى نهرب من حقيقة أن هذا هو ما صار عليه معظم المجتمع السعودي بعد أن فقد الكثير من سماته وسمته.. الحل يجب أن يكون بالاهتمام بكيف نعيده لما كان عليه لتصلح معه أمور كثيرة.

*نقلا عن الشرق الأوسط اللندنية

قبل أن تذهب