مباشر

المدرسة البريطانية تحتضر بمجازفة تاريخية!

محمود ماهر
نشر في: آخر تحديث:

قدمت إنجلترا كل شيء لكرة القدم منذ اكتشافها في الـ40 سنة الأخيرة من القرن التاسع عشر. أندية تاريخية وملاعب أسطورية يتقدمهم ويمبلي وقصص وحكايات لا تُنسى، وديربيات ومباريات كلاسيكية لا حصر لها في كل المدن، ناهيك عن القواعد والقوانين والأسس التي وضعتها إنجلترا وفرضتها على كل البطولات والاتحادات حول العالم، لتستحق اللقب المحسودة عليه «مهد كرة القدم».


لكن يبدو أن عيون الحساد قد أصابت الإنجليز في مقتل، فحتى اللحظة لم تتوج بأمم أوروبا حتى عندما نظمتها عام ١٩٩٦ واكتفت بلقب يتيم للمونديال عام ١٩٦٦، كما أنها من الناحية التقنية والخططية أخفقت في فرض قوتها على باقي المدارس، وفشلت بإمتياز في جذب محبي اللعبة إليها، بالذات ممَن أدمنوا متابعة الكرة اللاتينية المعتمدة اعتمادًا كليًا على القوة والمهارة الفردية والامتاع في آن واحد.


ومن الناحية العملية والتاريخية، لم يثبت المدرب الإنجليزي بعد نفسه خارج حدود بريطانيا، فهل حقق نفس انجازات وانتشار مدربين من مدارس أوروبية أخرى؟ لا أحد فاز بدوري أبطال أوروبا مع ريال مدريد مثلما فعل الألماني يوب هاينكس، ولا يوجد رجل إنجليزي واحد بجعبته نصف السيرة الذاتية للإسباني ديل بوسكي أو الإيطاليين تراباتوني ومارتشيلو ليبي أو الفرنسيين آرسين فينجر وهنري ميشيل أو الهولندي رينوس مايكلز، مع كامل الاحترام للانجازات المحلية لـ «رامسي وفيرجسون ومات باسبي وشانكلي» فلم يجرؤ أحدهم على الخروج من إنجلترا للتعبير عن نفسه ولتطبيق الأفكار البريطانية في أندية كبرى مثل ريال مدريد وبرشلونة وميلان والإنتر ويوفنتوس كما فعل زملائهم من نفس الجيل.


ربما يكون الوضع المادي الجيد للمدرب الإنجليزي والبريطاني هو السبب، وبطبيعة الحال لا يمكنك بلوغ التطور المنشود في كرة القدم من دون احتكاك مباشر مع مدارس أخرى عن طريق خوض تجارب احترافية مختلفة واسعة دون كلل أو ملل، لكن المدرب الإنجليزي عنده عيب رهيب مثله مثل اللاعب الخليجي هو قناعته ورضاه بما بين يديه، وتطبيقه للمثل الشهير «عصفور في اليد أفضل من ١٠ على الشجرة».


المدرب الإنجليزي حتى لو خرج من بريطانيا، محال مواصلته لأكثر من خمس أو ست سنوات، يمل بسرعة ويرفع الراية البيضاء مع أول فشل، وقد حدثت العديد من التجارب في السنوات ال٣٥ الماضية تعكس هذا الواقع المرير للمدرسة التدريبية الإنجليزية على الصعيد القاري والدولي، باستثناء تجربتي تيري فينابلز وبوبي روبسون مع برشلونة، ونجاحهما في الليجا ارتبط بشكل مباشر بتجاربهما السابقة بالإضافة لقوة شخصية البرسا وتراجع المنافس الرئيسي له.


تيري فينابلز كانت له تجربة مع كريستال بالاس استمرت لأربع سنوات في السبعينيات ثم درب كوينز بارك رينجرز لينتقل في عام ١٩٨٤ لتدريب برشلونة لمدة ثلاث سنوات، وخلالهم نجح في التتويج بلقب الدوري المحلي، وهذا ما أهله لتدريب المنتخب الإنجليزي ثم منتخب أستراليا الذي فشل معه في الترشح لمونديال ١٩٩٨.


أما الراحل «بوبي روبسون»، مُكتشف الظاهرة رونالدو، والفائز بكأس الاتحاد الأوروبي مع ايبسويتش تاون، فاستطاع التتويج بلقب الدوري الهولندي مرتين مع ايندهوفن وكرر نفس الشيء في البرتغال مع بورتو، ورغم اهتمامه بالكرة الجميلة مع برشلونة تمكن من التتويج بلقب كأس الملك الإسباني وسوبر إسبانيا بالإضافة لكأس الكؤوس الأوروبية عام ١٩٩٧ بعد تجاوزه لعقبة فيورنتينا باتيستوتا في نصف النهائي وباريس سان جيرمان ليوناردو وراي في النهائي.


غير ذلك، فتاريخ المدرب الإنجليزي خارج بريطانيا «اسود» مثله مثل تاريخ اللاعب الإنجليزي، ودعوني أسألكم، اذكروا لي ولو اسم لاعب إنجليزي واحد نجح في رحلته الاحترافية؟ تجربة بيكهام مع ريال مدريد وباريس عادية ولا تعبر عن سمعته التي اكتسبها مع مانشستر يونايتد! وحتى تجربة ماكمانمان التي تخللها التتويج مرتين بدوري أبطال أوروبا مع الريال ليست مُبهرة، فلم تطغ نجوميته على فيجو أو زيدان أو رودندو أو راؤول..كان ينافس مونيتس وسافيو ونجوم الصف الثاني والثالث في النادي وقتها!.


مَن نجح من مدربين إنجلترا في الخارج؟ ستيف ماكلارين؟ بعد فوزه مع تفينتي بلقب الدوري الهولندي ٢٠١٠، وضع في اختبار مهم مع فولفسبورج فشل فيه بإمتياز وتنقل بعدها إلى أندية ضعيفة مثل نوتنجهام وكوينز وديربي كاونتي ونيوكاسل، ليؤكد أنه المتهم الأول في قضية توديع إنجلترا لتصفيات يورو ٢٠٠٨.


حتى عندما ذهب جون جريجوري، صاحب الصولات والجولات مع أستون فيلا، لتجربة نفسه خارج إنجلترا اختار فريق تل أبيب الصهيوني، والأنكى من ذلك هبط معه عام ٢٠١٠ إلى دوري الدرجة الثانية، وتجربة روي هودسون في الدوري السويدي جد عادية وكان تدريبه للإنتر واحدة من أكبر سقطات المالك السابق للنادي «ماسيمو موراتي».


كما ترى عزيزي القاريء، الماضي والحاضر يتحدث عن قيمة المدرب الإنجليزي وعن مدى تأثيره في كرة القدم، يكفينا نظرة بسيطة على هوية مدربي أندية القمة في الوقت الراهن، لن نجد سوى أي مدرب إنجليزي.


آلان باردو المدرب الإنجليزي الوحيد الذي يستحق فرصة حقيقية في أحد أكبر أندية أوروبا، ففي السابق نافس على المركز الرابع مع نيوكاسل، وحاليًا يقدم مستويات ممتازة بإمكانيات ضعيفة في كريستال بالاس، وينافس بقوة على احتلال مركز مؤهل لأوروبا الموسم المقبل.


وبعد كل ما ذكرت وبدلاً من الاستعانة بباردو، يقوم رئيس نادي فالنسيا «بيتر ليم» وبكل برودة دم بتعيين محلل إنجليزي لتدريب فريقه في هذا التوقيت الصعب من الموسم. مدرب ليست لديه أي تجارب سابقة أو خبرة. مدرب تاريخه كلاعب عادية، لو أي لاعب مكانه لاستطاع تقديم نفس الأداء وربما أفضل، واسألوا ويس براون عديم المهارة والكفاءة، صنع هدف رونالدو في نهائي أبطال أوروبا ٢٠٠٨ عندما لعب كظهير أيمن محل نيفيل، ببساطة لأن المدرب فيرجسون، لكن لو ظهر جاري نيفيل في أي فريق آخر، أجزم بأنه لكان وضع على الدكة وانتهى به المطاف في أحد أندية الوسط مثل شقيقه فيل نيفيل الذي لم نسمع عنه بعد انتقاله لإيفرتون.


تاريخ جاري نيفيل التدريبي يتلخص في قيامه بدور المستشار الفني الثاني لروي هودسون خلال يورو ٢٠١٢ ومونديال ٢٠١٤ وفي البطولتين فشلت إنجلترا فشلاً ذريعًا، واحتكاكه بفيرجسون لمدة ١٥ عامًا كلاعب لا يكفيه لتدريب بورنموث أو نوريتش سيتي، وخبرته كمحلل رياضي في قنوات سكاي سبورتس لا تؤهله لأن يكون مدربًا لفريق عريق بحجم فالنسيا!.


حتى من الناحية الشخصية والكاريزما، عادي جدًا، أتذكر مهرجان إعتزاله عام ٢٠١١ أمام يوفنتوس، الكاميرا تركزت طيلة الوقت على ديفيد بيكهام وديل بييرو وريان جيجز وبول سكولز، رغم أنه عريس المهرجان، لكنه حتى في عرسه كان مجرد معزوم!.


لا أدري ما الذي يحدث في الدنيا؟ لهذه الدرجة وصل تلاعب وعبث بيتر ليم بتاريخ فالنسيا؟.. بداية نيفيل الأسبوع الماضي كانت معبرة تمامًا عن المستقبل المظلم الذي ينتظر الخفافيش، فحين رفض تولي المسؤولية في مباراة برشلونة خوفًا من الخسارة، عبر عن مدى ضعف شخصيته وجبنه، وفوق كل هذا لم يستفد من الدفعة المعنوية للفريق بعد التعادل مع البرسا الذي لا يقهر، بخسارة مباراة ليون في دوري أبطال أوروبا على ملعب المستايا (صفر/١) دون تقديم أي لمحة فنية أو تكتيكية على أرض الملعب.


ما فعله بيتر ليم أعتبره أغرب قرار يحدث في تاريخ عمالقة كرة القدم الإسبانية والعالمية، على الأقل منذ أن بدأت متابعتي لكرة القدم عام ١٩٩٠، وبالتأكيد سيكون أحد فصول الفشل الإنجليزي خارج بريطانيا، إلا لو حدثت معجزة وقرر ديبورتيفو لاكرونيا وفياريال وسلتا فيجو التفريط في حلم العودة لدوري الأبطال الموسم المقبل من أجل انقاذ سمعة المدرب الإنجليزي.

قبل أن تذهب