خارطة الطريق
تابعت ردود الأفعال الإعلامية والجماهيرية بعد نتائج المنتخب في كأس العالم التي تجري أحداثها حالياً في أمريكا وكندا والمكسيك، وردات الفعل الحالية هي نسخة مكررة لردات الفعل بعد كل إخفاق للمنتخب السعودي!
والحديث عن مستقبل المنتخب السعودي لا ينبغي أن يقتصر على نتائج مباراة أو بطولة، بل يجب أن ينطلق من سؤال أكثر أهمية: كيف نصنع منتخباً قادراً على المنافسة لعقدين أو ثلاثة عقود؟ والإجابة تبدأ بخارطة طريق واضحة، لا بردود أفعال مؤقتة.
حيث أرى أن الخطوة الأهم تتمثل في إنشاء مراكز وطنية شاملة لتطوير المواهب، يتم توزيعها في المناطق الرئيسة بالمملكة، بحيث يصبح لكل منطقة مركز متخصص يعمل طوال العام، ويضم مدربين مؤهلين، وكشافين محترفين، وأخصائيين في اللياقة والتغذية والإعداد الذهني.
ويبدأ استقطاب المواهب من سن مبكرة، وتُبنى برامج تدريبية متكاملة تجمع بين المهارة، والثقافة الرياضية، والانضباط، والتعليم، لتصبح عملية صناعة اللاعب مشروعاً وطنياً لا اجتهاداً فردياً.
وفي نهاية كل موسم رياضي، يتم اختيار أفضل العناصر من مخرجات هذه المراكز، للدخول في معسكرات خارجية مع أندية وأكاديميات أوروبية، للاحتكاك بأفضل المدارس الكروية واكتساب الخبرة في بيئات احترافية. ومع تكرار هذه العملية سنوياً، سنكوّن قاعدة عريضة من اللاعبين الموهوبين المؤهلين، بدلاً من الاعتماد على اكتشاف مواهب متفرقة من هنا وهناك.
فكرة هذه المراكز ليست جديدة على العالم. فألمانيا، بعد تراجع نتائجها في مطلع الألفية، لم تبحث عن حلول سريعة، بل استثمرت في إنشاء شبكة واسعة من مراكز تطوير المواهب وربطتها بالأندية والاتحاد والمدارس، فكانت النتيجة جيلاً ذهبياً أعاد المنتخب إلى منصة التتويج بكأس العالم عام 2014. لقد أثبتت التجربة أن الاستثمار الحقيقي ليس في التركيز على تحقيق نتائج في بطولة معينة، بل في اللاعب الموهوب والمؤهل لحمل وتشريف القميص الوطني لعدة سنوات.
فالمملكة اليوم، تمتلك الإمكانات المالية، والبنية التحتية، والدعم الحكومي، والطموح الكبير الذي تعكسه رؤية المملكة 2030، ولم يعد ينقصنا سوى منظومة وطنية متكاملة لصناعة المواهب وفق خطة طويلة المدى.
ولا نحتاج إلا أن ننتقل بتفكيرنا من البحث عن الفوز في المباراة إلى صناعة اللاعب القادم، لأننا حينها سنكون قد وضعنا أول خطوة حقيقية على الطريق الصحيح نحو منتخب سعودي ينافس بثبات، لا بالمصادفة… فالأبطال لا يولدون، بل تُصنعهم الاستراتيجيات.
*نقلا عن الرياض السعودية