عاجل

البث المباشر

بانتظار البابا المشكلات الطائفية بمصر بعد الثورة

المصدر: معهد العربية للدراسات والتدريب

على الرغم من أن ثورة يناير قد أحيت الآمال في إغلاق ملف الطائفية في مصر أو على الأقل التعامل معه بشكل مختلف عما كان يحدث قبل الثورة، فإن تطور الأمور عبر المرحلة الانتقالية يشير إلى أن الطائفية مازالت تمثل أحد أهم المشاكل القابلة للانفجار في أي لحظة نتيجة غياب التعامل الفعال والمختلف معها والكفيل بأن يقضي على منابعها وروافدها التشريعية والثقافية والأمنية، التي تأتي في مرتبة أخيرة، وهي الملف الأول أمام البابا التصالحي الذي يأتي بعد أيام أو سويعات قليلة.. هذا ما تعرضه هذه الدراسة لـ"معهد العربية للدراسات والتدريب" والتي أعدها الباحث أحمد الشريف.

رغم قلة عدد تلك الحوادث في المرحلة الانتقالية مع الأخذ فى الاعتبار حجم الانفلات الأمني الذي تعيشه كل أرجاء مصر فإن مغزاها وتداعياتها ربما يكون أهم وأخطر مما كان عليه الحال قبل الثورة.

ولكن جسامة الفعل ورد الفعل كفيلة بأن تجعل من الأزمة الطائفية واحدة من أخطر الأزمات التى تمر بها مصر، بما يقتضي أن يكون التعامل معها في مقدمة أولويات كافة القوى والتيارات السياسية فى مصر، ولا شك أن البابا القادم ستكون لديه أولوية في معالجة هذا الاحتقان ومحاولة إيجاد حلول جذرية للمتجددة منها سواء التشريعية أو الإجرائية والذي ترجو له النخب القبطية والمصرية عموما ان يكون بابا تصالحياً يمثل إضافة لمسار الدولة المدنية دون تطييفها!

القرعة الهيكلية.. وأقدار الرب

جرت المرحلة قبل من انتخابات البابا الجديد لأقباط مصر، بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، يوم 29 اكتوبر بين مرشحين خمسة لمنصب بابا كرسي الاسكندرية الـ118 المرحلة قبل الاخيرة من عملية اختيار البابا الجديد الذي سيخلف الابا شنودة الثالث، وقد قام بالتصويت في المرحلة الأولى 2411 ناخبًا باختيار 3 مرشحين من بين خمسة لخوض القرعة الهيكلية التي ستتم يوم الأحد القادم الرابع من نوفمبر، وهي القرعة التي ستجرى الشهر المقبل ويقوم بها طفل صغير معصوب العينيين ليختار البابا من بين المرشحين الثلاث الذين حصلوا على أعلى الأصوات، وهم الأنبا روفائيل، أسقف كنائس وسط القاهرة والقمص روفائيل أفا مينا، والانبا تاضروس، وسيدخل الثلاثة مرشحين فى القرعة الهيكيلية الأحد القادم، وسيكون اختيار الطفل المعصوب العينين هو اختيار الرب وقدره حسب اعتقاد الكثير من المسيحيين في مصر، ويسبق القرعة الهيكلية صوم وصلاة ثلاث أيام من الدرجة الأولى تبدأ من الأربعاء حتى الأحد موعد إعلان النتيجة.

وقد ذهبت توقعات نخب مسيحية وناخبين- ضمن الهيئة الانتخابية- للبابا الجديد قبل الانتخابات أن الثلاثة الذين ستفرزهم الانتخابات هم بالترتيب الانبا روفائيل اسقف عام كنائس القاهرة والمدعوم من الانبا موسى الشخصية الاكثر شعبية بين شباب الاقباط، والقمص روفائيل افامينا شماس البابا كيرلس السادس، أما الثالث فكان القمص باخميوس السرياني- الذي خرج من التصفية في النهاية- وصعد مكانه الأنبا تاوضرس أسقف عام البحيرة كما أعلن الأنبا باخوميوس قائمقام البطريرك.

قضايا أمام البابا المنظر

برز من خلال اختيار المرشحين الخمسة من بين الـ12 مرشحاً، الذين تمت تصفيتهم، إلى انحياز لجنة اختيار المرشحين النهائيين لخيار "البابا التصالحي"، في لحظة حرجة من تاريخ مصر الحديث حيث استبعدت اللجنة كافة المرشحين الصداميين واصحاب العلالقات مع الدولة واجهزتها واصحاب المواقف المتشددة تجاه الطوائف المسيحية الاخرى والمسلمين وفي مقدمتهم الانبا بيشوي الذي سبق وفجرت تصريحاته بشأن "الضيوف المسلمين" على مصر القبطية، ردود فعل غاضبة من الغالبية المسلمة بالاضافة إلى تصريحاته المتشددة تجاه الطوائف الاخرى، إلى جانب استبعاد كل من الانباء يوأنس سكرتير البابا السابق المعروف بعلاقته القوية مع المجلس العسكري السابق، بعد الثورة، وهو ما قاد إلى غضب قبطي بسبب محاولته تسويف قضايا احداث ماسبيرو التي قتل فيها 27 ناشطاً قبطيا، وحسب عدد من المراقبين فإن مجيء الانبا بيشوي على رأس الكنيسة كان سيعرض الاقباط لمرحلة صدام عنيفة مع الدولة.

من هنا استقرت التصفية على المرشحين الخمسة وهم:
1- الانبا روفائيل (تلميذ الانبا موسى).
2- الانبا تاوضروس اسقف عام البحيرة.
3- الرهبان الثلاثة: رافائيل افا مينا (شماس البابا كيرلس) و سارافيم السرياني و باخوميوس السرياني، وجميعهم من المعتدلين المشهود لهم بالتوجه التصالحي والتعايشي، في الوسط الكنسي وجميعهم (باستثناء رافائيل افا مينا مواليد العام 1942 ميلادية) من جيل الوسط ومواليد الخمسينيات من القرن الماضي.

وهنا يشير الكثيرون إلى دور الانبا باخوميوس، قائم مقام البطريرك الكنيسة، الذي ادار المرحلة الانتقالية بعد وفاة البابا شنودة الثالث، وقدرته على امتصاص الصدمات واستبعاد "الصقور"والنجوم الاعلامية الكنسية من سباق الانتخابات.

ويرى المثقفون المصريون ان البابا القادم عليه ان يكون متحدثاً باسم الكنيسة وان يبتعد قدر الامكان عن السياسة ليفتح الباب امام النخبة القبطية المدنية الجديدة التي تشكلت بعد الثورة من الدفاع عن حقوق الاقباط السياسية وان تتحدث باسمهم امام الدولة سياسياً واجتماعياً، حيث إنه ثبت أن تجيير قضايا الوطنية والطائفية وتطييف المسائل السياسية، يكون في صالح التيارات الإسلامية المتشددة، والتي أحسنت استغلال هذا التطييف في الانتخابات البرلمانية السابقة وكذلك في الانتخابات الرئاسية، مما قد يدشن قاعدة مهمة في الحياة السياسية المصرية مستقبلا مع صعود هذه التيارات ملخصه أن عدم تطييف السياسة قد يكون حماية للطائفة من تسييس وتديين قضاياها في ظل الصعود الديني المضاد لقضايا المواطنة في هياكل الدولة المصرية!

أكثر من قضية جدلية يناقشها الاقباط اليوم

حجم الاقباط: اشار رئيس جهاز التعبئة والاحصاء اللواء ابو بكر الجندى قبل شهر ونصف إلى أن عدد الاقباط في مصر 5.1 مليون نسمة، فيما اكد رمسيس النجار المستشار القانوني للكنيسة أن العدد الحقيقي يصل إلى 16 مليون نسمة داخل وخارج مصر . من جانبه قدر المستشار نجيب جبرائيل رئيس منظمة الاتحاد المصرى لحقوق الانسان العدد بنحو 19 مليون في الداخل و3 في الخارج.

بناء الكنائس والخط الهمايوني: حيث يطالب الاقباط بالغاء الخط الهمايوني العثماني الذي يحدد شروطاً صارمة لبناء الكنائس ويطالبون بقانون دور العبادة الموحد وهو القانون الذي يرفضه السلفيون والاخوان وتم فتح النقاش حوله بعد احداث كنيسة صول.

الهجرة: تعيش النخبة القبطية اليوم مخاوف من تزايد معدلات الهجرة بين الشباب القبطي في ظل حكم الاخوان المسلمين وصعود السلفيين. وقدر عماد جاد عدد المهاجرين من الاقباط خلال عام ونصف بعد الثورة باكثر من 100 الف شاب. ويخشى المثقفون الاقباط من سيناريو تفريغ مصر من المسيحيين على غرار ما حدث في العراق بعد الغزو الاميركي.

تزايد الهجمات القانونية على اقباط بتهمة ازدراء الأديان ومخاوف من استخدام النظام الجديد الاخواني القانون للحد من حرية الاقباط ومحاولة التضيق عليهم.

عدم وجود عقاب لاحدث الفتنية الطائفية الخيرة سواء في اسوان او رفح وغيرها.

محاولات الدولة الاشراف على اموال الكنيسة والمخاوف من تضيق هذه العملية على تلقي التبرعات من الاقباط في الخارج او طرق الصرف.

علاقة البابا الجديد مع الاخوان والخوف من محاولات الخضوع للسلطة الجديدة، خاصة مع صعود منافسة سلفية لها أكثر تشددا في مسائل المواطنة والحريات ورفض فكرة مدنية الدولة.

وسنحاول فيما يلي العرض والحصر للمشكلات الطائفية التي واجهت مصر بعد الثورة ولا شك ستمثل قضايا رئيسية أمام البابا الجديد المقرر تنصيبه بعد أيام، وكذلك للدولة المصرية ككل.

الأقباط والمرحلة الانتقالية..هواجس متزايدة

على عكس ما كان متصورا حدوثه في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، ظلت أزمة الأقباط فى مصر من الملفات الساخنة والقابلة للانفجار بالشكل الذي كاد في حالات عديدة أن يهدد منجزات تلك الثورة. وتعمد البعض تناول المسألة القبطية اعتمادا على عدد الأقباط أو نسبتهم مقارنة بعدد السكان الإجمالي لمصر ليبرر الانتهاكات التي ترتكب بحقهم. فخرجت إدعاءات بأن تحجيم الأقباط وعدم تمثيلهم تمثيلا مناسبا" بما يتناسب مع تصور الأقباط، والتضييق عليهم في بناء الكنائس الى جانب كافة ممارسات العنف الطائفي التي تمارس ضدهم إنما ترجع بالأساس إلى أنهم أقلية صغيرة العدد، وأن عددهم ذلك لا يؤهلهم للحصول على أكثر مما يحصلون عليه. وفي مقابل ذلك فإن الأقباط يشككون كثيرا في الأرقام المعلنة أو المتداولة لنسبتهم الحقيقية في المجتمع. ومن ثم فقد طالب الأقباط فى أكثر من مناسبة البابا القادم بتقديم تعداد واقعي للمسيحيين والوقوف بقوة أمام محاولات تهميشهم. مؤكدين أن الكنيسة لديها إحصائية بعدد الأقباط النهائي من خلال الأبرشيات المنتشرة في كل محافظة، ويرون أن تلك الإحصائية تؤكد أن عدد الأقباط المصريين يصل إلى 21 مليون منهم 19 مليونا في الداخل وثلاثة ملايين في الخارج. أما الإحصاءات الرسمية التي قامت بها مصر فتقدم صورة مختلفة تماماً مع ذلك. فمنذ تم أول تعداد في مصر في عام 1897 على يد الإنجليز والذي وصل عدد المصريين فيه 9.734.405، كان منهم 8.977.702 من المسلمين والباقي ديانات أخرى وتشمل المسيحيين بشتى طوائفهم ويهود وجاليات أجنبية وجنود الاحتلال وكان الأرثوذوكس فى ذلك الوقت 592.347. ثم توالت عمليات الإحصاء كل عشر سنوات حتى إحصاء عام 1986 والذى أوضح أن عدد أقباط مصر يصل إلى 7ر5 % في هذا التاريخ. ومنذ ذلك العام توقف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن إدراج سؤال الديانة بشكل إجباري في تعداد السكان، نزولا على توصية أصدرتها اللجنة الإحصائية بالأمم المتحدة لكافة الأجهزة الإحصائية في العالم بان يكون سؤال الديانة في التعدادات اختياريا. ومن ثم خلال تعداد عامي 1996 , و2006 من نسب الديانة ولم تخرج بيانات رسمية لنسبة الأقباط أو غيرهم، وهو ما مثل بيئة خصبة لخروج العديد من التقديرات المتضاربة بشأن عدد ونسبة الأقباط في مصر. ولعل ذلك ما دفع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء للتأكيد على أنه على أتم استعداد لحصر ورصد الديانة للمصريين في التعداد القادم الذي سيجري في عام 2016 واعتبار سؤال الديانة من الأسئلة الواجب الإجابة عنها لو توافق المصريون على ذلك. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه من المعروف ان الوضع في دول العالم الثالث التي تعاني من المشكلات الطائفية دائما تكون أرقام الأقليات فيها سرا من أسرار الدولة ومشكوكا في صحتها لارتباطها بعدد من الحصص والمكاسب السياسية. ويبقى أخيرا ضرورة الإشارة إلى أن الأقباط في مصر واستنادا إلى أقل التقديرات بشأن عددهم في مصر والذي لا يقل عن 10% من السكان، فإنهم بهذا العدد يمثلون اكبر تجمع مسيحي فى الوطن العربي ، حيث يمثلون أكثر من أربعة أمثال عدد المسيحيين فى لبنان ، وأكثر من ضعف عدد المسيحيين فى السودان .

الحوادث الطائفية بعد الثورة.. أسباب وأصناف

يمكن التأريخ لبداية العنف الطائفي في مصر، بعام 1972 بحادثة الخانكة التي اندلعت بين المسلمين والأقباط بسبب قيام جمعية الكتاب المقدس ببدء الصلاة بمقر الجمعية، وهو ما اعتبره المسلمون محاولة لفرض كنيسة بهذه المنطقة، وتوالت بعد حادث الخانكة أحداث متعددة في أعوام 75 و 76 و 77، بما اضطر السادات في عام 1977 إلى الاعتراف بوجود أزمة طائفية في أعقاب إحراق إحدى الكنائس بقرية الكشك بمحافظة الفيوم، لتشهد العلاقة توترا عنيفا بين الكنيسة والدولة خاصة بعد حادثة الزاوية الحمراء الشهيرة في يونيو 1981، والتي اصدر على أثرها السادات قرارا بوضع البابا شنودة الثالث رهن الإقامة الجبرية في دير وادي النطرون، ولم يتم إنهاء هذا الوضع إلا في عام 1985.

وشهدت حقبة التسعينات أيضا مرحلة اخطر في مسألة العنف الطائفي، حيث انتهج بعض المتطرفين الإسلاميين مبدأ العنف بالتعدي المباشر على دور العبادة، حيث اقتحموا بعض الكنائس وقتلوا أقباطا في صلواتهم في وقت أطلقت فيه الجماعات المتطرفة مبدأ الاستحلال لمحلات الذهب المملوكة للأقباط والتعدي على الكنائس والعديد من الأقباط في محافظات مختلفة وهذا العنف ظل هو السائد حتى وصول الإسلاميين للحكم. وكانت أحداث قرية الكشح بمحافظة سوهاج هي الأشهر في تاريخ العنف الطائفي في مصر قبل الثورة والتي انفجرت مرتين، الأولى عام 1999 والثانية عام 2000 والتي سقط فيها 21 قتيلا بينهم مسلم واحد وعشرون قبطيا، والتي كانت حلقة فارقة في مسلسل العنف الديني، وانطلقت بعدها أحداث متفرقة غير انها كانت في مجملها فردية.

وتعد محافظة المنيا بصعيد مصر هي أكثر المحافظات المصرية التي شهدت أزمات عنف طائفية خلال السنوات الأخيرة وسقط فيها عدد محدود من القتلى، وكان من أشهر أحداث العنف بالمنيا حادثة منقطين وبني واللمس ومغاغة وسمالوط، إضافة إلى أحداث طائفية أخرى في البحر الأحمر بسبب سور أحد الأديرة الذي وقع وأرادت الكنيسة بناءه بدون الرجوع للجهات الأمنية كما هو متبع. وعلى الرغم من وجود أزمات أخرى كانت سببا فيها الصحافة مثل أحداث جريدة النبأ والراهب المشلوح لدير المحرق، الا ان معظم الأحداث حسبما يؤكد المراقبون كانت بسبب تشدد المطران في بعض الكنائس، فضلا عن ان بعض هذه الأزمات جاءت بسبب إسلام بعض المسيحيين، غير ان قضية وفاء قسطنطين زوجة أحد الرهبان بمحافظة البحيرة وإسلامها كانت من اكبر الأزمات الطائفية التي اندلعت في مصر وتظاهر على أثرها المسيحيون في مختلف المحافظات المصرية.

ورغم أن محافظة الإسكندرية من المحافظات الهادئة نسبيا إلا أنها شهدت في نهاية عام 2005 أزمة عنيفة بكنيسة مارجرجس بمنطقة محرم بك على اثر توزيع الكنيسة لمسرحية بعنوان «كنت أعمى والآن أبصرت» ويحكي قصة مسيحي اسلم ثم عاد للمسيحية باعتبارها الأفضل بالنسبة له، وهو ما اعتبره المسلمون إساءة مباشرة للإسلام خاصة انه عرض بمقر الكنيسة ووزع بها فخرج على أثرها المسلمون في مظاهرة عارمة أحاطت بمقر الكنيسة ووقعت فيها أحداث عنف وإصابات وإلقاء حجارة وسقطت فيها راهبة.

لعل التراخي في التعامل مع احداث العنف الطائفى وعدم الاعتراف بخطورة المشكلة أو على الأقل عدم التقدير الكافي لما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات سلبية على النسيج الاجتماعي للمجتمع المصرى, هو ما أدى إلى اتساعها، ومن ثم فشل محاولات احتوائها. وفي الحقيقة فإن التعامل مع تلك القضية دون فتح قنوات حوار إيجابية واعتمادا على نفس الطرق التي ثبت فشلها خلال العقود الماضية، يقف دائما حائلا ضد تنقية الأجواء بين المسلمين والأقباط. وفي هذا السياق تعرض الأقباط منذ بداية الثورة في يناير 2011 وحتى نهاية "المرحلة الانتقالية" التي انتهت بتسليم المجلس العسكري السلطة التنفيذية للرئيس المنتخب محمد مرسي بنهاية يونيو 2012 لسلسلة من هجمات العنف الطائفي التي وضع كل منها الدولة المصرية في أزمة خطيرة فاقم من خطورتها أنها حدثت بينما تشهد مصر نوعاً من فوضوية القرار وغياب الدولة الى جانب انتشار النزعات الدينية المتطرفة فى مواجهة الاقباط.

أولاً: العنف الطائفي ضد الكنائس والأديرة

وصل عدد حالات العنف الطائفى ضد الأديرة والكنائس خلال المرحلة الانتقالية الى 5 حالات على وجة الحصر هى حادثة رفح في يناير 2011, حادثة صول وحادثة منشية ناصر في مارس 2011 , حادثة إمبابة في مايو 2011 , حادثة المريناب في أكتوبر 2011, وفى هذه الأحداث تم تدمير الكنائس امام اعين قوات الامن وفى كل حادثة يحدث انفجاراً للازمة فى مصر كلها ولكن دائماً ما كانت تدار الازمة بطرق سياسية ودبلوماسية للحد من انفجارها على نطاق اوسع ولعل الحدث الابرز كان فى حادثة امبابة وحادثة صول طوال الفترة الانتقالية ووقع العديد من الضحايا وصل عددهم الى 46 قتيلا . وقد وقعت النسبة الأكبر من أحداث العنف الطائفي ضد الكنائس والاديرة فى اقليم القاهرة الكبرى " القاهرة والجيزة والقليوبيه "، وهذه المدن هي التي شكل فيها العنف الطائفي الدرجة الأكثر خطورة، سواء من حيث عدد الحوادث، أو مدى جسامتها، مثل حادث إمبابة الذي راح ضحيته 17 مواطن وعشرات المصابين من الجانبين المسلم والمسيحي، وحادث صول التي راح ضحيته شخصان وحادث منشية ناصر الذى راح ضحيته مقتل 10 مسيحيين و5 مسلمين فضلا عن 114 مصابا.


ثانياً: العنف الطائفي على الهوية الشخصية

جدول بالأحداث الطائفية بعد الثورة جدول بالأحداث الطائفية بعد الثورة
لا يقتصر العنف الموجه للأقباط على الانتهاكات التي تم ضد الكنائس والأديرة السابق الإشارة إليها، بل إنه يمتد ليطال الأشخاص أيضا فقط لكونهم أقباط، إضافة إلى عدم تطبيق القانون في معظم المشاكل أو القضايا التي يكون أحد طرفيها قبطيا. إذ شهدت مصر حالات كثيرة من التمييز في تطبيق القانون في قضايا العنف الطائفي خلال المرحلة الانتقالية. ويمكن رصد سبع حالات على الأقل لهذا النوع من العنف الطائفي، كانت موجهة ضد الاشخاص وضد الحقوق الشخصية للافراد من تظاهر وتعبير عن الرأى والامن والسلامة. فدير الانبا بيشوى شاهد عيان على التمييز فى تطبيق القانون. ففي الوقت الذي شهدت فيه المرحلة الانتقالية مئات الحالات من التعدي على أراضي الدولة، وهو سلوك يحدد القانون سبل مقاضاة القائمين به، بينما لم تتعامل أجهزة الدولة بعنف أو قوة مع هذه الحالات لاسيما في ظل ضعف الأجهزة الأمنية عقب الثورة، فإن ما حدث في دير الأنبا بيشوي كان مختلفا. حيث تصادمت قوات الجيش بشكل مباشر مع الأقباط يوم الأربعاء 27 فبراير 2011 على خلفية قيام رهبان دير الأنبا بيشوي بصحراء وادي النطرون ببناء سور على أراضي الدير بعد ضم حوالي عشرة أفدنة من ممتلكات الدولة، وهى مخالفة يعاقب عليها، وراح ضحية تلك المصادمات قتيل و5 مصابين. وفي كنيسة عين شمس المغلقة (يفضل ذكر تاريخ تلك الواقعة) تم الاعتداء واعتقال 13 مسيحي هذا بخلاف التنكيل ضد القساوسة امام المسلمين والأقباط على حد سواء. غير أن الحادثتين هما الاولى: فض مظاهرات ماسبيرو فى (5مارس, 8 مايو 2011) عندما خرجت مظاهرات ضخمة امام ماسبيرو اعتراضاً على احداث العنف ضد المسيحيين وتحديدا اعتراضاً على احداث قرية صول بمركز اطفيح بمحافظة الجيزة وقوبلت المظاهرات بكل انواع العنف وتم اعتقال 13 فى مارس و48 فى مايو. الثانية : اعتصام ماسبيرو : كان الاعتصام ايضاً على مرحلتين الاولى فى 4 اكتوبر 2011 وكانت حصيلة المصادمات 14 مصاب. أما المرحلة الثانية وهى الاخطر فى المرحلة الانتقالية على الاطلاق، إذ نتج عن المصادمات التي حدثت في 9 أكتوبر 2011 وفاة 24 شخصا قبطيا إضافة إلى إصابة حوالي 800 شخصا.

وأخيرا، فإنه على الرغم من انتهاء المرحلة الانتقالية عمليا بتسليم السلطة إلى الرئيس المنتخب والمنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، فإن العنف الطائفي ضد الأقباط لم يتوقف، وإن كان قد اتخذ شكلا أخر على الأقل حتى الأن. إذ بدأ الحديث عن تهجير قسرى لأسر قبطية. وكان أداء أجهزة الدولة المختلفة في التعامل مع وقائع التهجير القسري لمواطنين أقباط مقيمين برفح، وذلك يوم الخميس 27 سبتمبر على إثر هجوم ضد ممتلكاتهم شنته مجموعة من الأفراد لا تزال هويتهم مجهول هو الاخطر فى تاريخ العلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر. كما لا يمكن النظر لهذه الحادثة بمعزل عن حوادث العامرية في مايو 2012 ودهشور في أغسطس 2012، وحوادث عديدة أخرى تم فيها تهجير مصريين ودخلت رئاسة الجمهورية على خط الأزمة، حيث قال ياسر علي المتحدث الرسمي باسم الرئاسة في تصريحات صحفية إن الرئيس أمر بتوفير أكبر قدر من الحماية في سيناء، مشيرا إلى أن مؤسسة الرئاسة لا تقبل بهذا الوضع لأي مواطن مصري. وأكد علي أيضا أن الأقباط مواطنين لهم الحق الكامل في البقاء في منازلهم وتوفير الحماية الكاملة لهم. ورغم أهمية مثل هكذا تصريحات من جانب رئاسة الجمهورية إلا أن إتباع نفس أسلوب النظام السابق في معالجة الأمر، إضافة إلى كل التخوفات المثارة من معظم الأقباط بشأن وضعهم في ظل صعود التيارات الإسلامية، يشي بأن العنف الطائفي ضد الأقباط مرشح للتصاعد عبر أشكال أخرى كان منها التهجير.

إعلانات