إرهاصات المرحلة الأخيرة من الثورة

نشر في: آخر تحديث:
واجهت المعارضة والثورة السورية الكثير من التحديات، وشاب أداءها الكثير من السلبيات، بفعل تضارب السيناريوهات وتعدد اللاعبين الدوليين، وحضور الدعم للنظام الأسدي وغيابه أو تردده بالنسبة للمعارضة، فضلا عن خبرة الأخيرة مع نظام كانت عقوبة معارضته الإعدام على مدار أربعين عاما، فضلا عن قمعه المتزايد والدامي للثورة منذ بدئها وهو ما توالدت منه تنظيمات وفصائل الغضب المختلفة ضده.

ورغم أن تعدد الفصائل الداخلية والتمثيليات السياسية للثورة كان طبيعيا في ظل غياب منظومة معيارية واحدة في مواجهة نظام تجمع جميعها على قمعيته ودمويته ووجود حلفاء حريصين عليه حتى النهاية في النظام الدولي أو الإقليمي، غير أن تطورات الموقف على الأرض والتداعيات السلبية التي يمكن أن تتمخض عن هذا التعدد والاختلافات المستمرة، جعلت الدعوة للتنسيق والتوحيد إن أمكن على مستوى فصائل الداخل وكذلك على مستوى مؤسسات وتمثيليات الخارج السياسية أمرا مطلوبا بل جوهريا في هذه المرحلة التي تشرف فيها الثورة على نهايتها، واقتربت فيها من نطاق القصر الجمهوري في دمشق خلال شهر نوفمبر المنصرم.

الائتلاف الموحد

ومن هنا تزايدت الدعوات المطالبة بضرورة توحد كافة أطياف المعارضة السورية سواء في الخارج أو الداخل ليجمعها كيان واحد يتحدث باسمها ويوحد آليات العمل فيما بينها، وفي هذا السياق برز اسم المعارض السوري رياض سيف مشفوعا بمبادرة مدعومة من الغرب كان محورها تشكيل حكومة سورية في المنفى. وهي المبادرة التي دار حولها النقاش الأساسي في اجتماع الدوحة، والذي تم خلاله التوصل إلى تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في الحادي عشر من نوفمبر الجاري. وبذلك يحل الائتلاف محل المجلس الوطني السوري في التعبير عن المعارضة، بينما أصبح المجلس الوطني رافدا أساسيا من روافد الائتلاف وحصل على 22 مقعدا من أصل 60 مقعد هي المقاعد الكلية للائتلاف. ولم يتم انتخاب رئيس المجلس الوطني السوري رئيسا أو نائبا لرئيس الائتلاف، إذ تم انتخاب الشيخ أحمد معاذ الخطيب ليرأس هذا الائتلاف.

دعوة كلينتون.. نقطة البداية

كانت دعوة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في الحادي والثلاثين من أكتوبر الماضي لإعادة هيكلة أو توحيد المعارضة السورية، البداية الحقيقية لتفعيل المطالب والرغبات السورية والدولية لتوحيد المعارضة السورية ومعالجة سوء أداء المجلس الوطني السوري. إذ دعت كلينتون بشكل واضح إلى ضرورة إعادة الهيكلة لتقديم كيان جديد للمجتمع الدولي يعبر عن المعارضة السورية يتلافى ما تراه الولايات المتحدة من سلبيات سواء في أداء المجلس الوطني السوري، أو سلبيات ما يحدث على الأرض داخل سوريا، خاصة ما يتعلق منها بتزايد نفوذ الجماعات الإسلامية والجهادية في التطورات النوعية التي شهدتها سوريا خلال الأسابيع الأخيرة. فكلينتون كما نقلت عنها وسائل الإعلام قالت أنها تنتظر من المعارضة السورية أن تقاوم، بشكل أقوى، محاولات المتطرفين لتحويل مسار الثورة السورية، فالمعلومات حول متطرفين يتوجهون إلى سوريا ويعملون على تحويل مسار ما كان حتى الآن ثورة مشروعة ضد نظام قمعي لصالحهم تثير قلق الولايات المتحدة. الأمر الذي يحتم إجراء إصلاح جذري للمعارضة السورية. وأضافت: إن الوقت قد حان لتجاوز دور المجلس الوطني السوري، الذي يمكن له أن يكون جزءا من معارضة أكبر، يجب أن تضم أشخاصا من داخل سوريا وآخرين لديهم صوت شرعي يجب الاستماع إليه، وهي هنا تشير إلى الموجودين في الخطوط الأمامية للقتال، وإعطائهم دورا أكبر في قيادة المعارضة السورية.

ومما لا شك فيه، فإن الإدارة الأمريكية قد نجحت في استغلال الظروف غير المواتية التي يواجهها المجلس الوطني السوري في ظل تصاعد الاتهامات الموجهة إليه من السوريين أنفسهم بأنه لم ينجح بالقيام بالدور المطلوب منه، وبما يتوافق مع التطورات الميدانية التي يشهدها الداخل السوري. الأمر الذي يعني أن إقدام المعارضة السورية على تلبية طلب كلينتون بضرورة إعادة هيكلة المعارضة سيلقى الترحيب، بما من شأنه أن يظهر الولايات المتحدة بمظهر القادر على ضبط إيقاع المعارضة السورية كما ترى، وفي الوقت الذي تريد، وبالتالي يقطع الطريق على التشكيك في دور الولايات المتحدة إزاء التعامل مع الأزمة السورية، وبالتالي يعطيها ورقة إضافية في التفاوض مع روسيا حول ذلك الملف. ولعل تلك النقطة تفسر أيضا الموقف الروسي من دعوة كلينتون. فروسيا ورغم تأكيدها على ضرورة توحيد المعارضة السورية، إلا أنها تختلف جذريا مع الولايات المتحدة في الهدف من توحيد تلك المعارضة، وتتمسك بالاتفاق الذي عقد في جنيف نهاية يونيو 2012 خلال اجتماع لمجموعة العمل التي تضم الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، فرنسا، بريطانيا)، والذي ينص على إنشاء هيئة حكومية انتقالية تمثل فيها المعارضة والنظام، وترى أن الإصرار على رحيل الرئيس الأسد من قبل الغرب يعني استمرارا لحمام الدم في سوريا. ومن ثم جاء الانتقاد الروسي لدعوة كلينتون، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية الكسندر لوكاشفيتش تعقيبا على تلك الدعوة أنها بمثابة سعي متعمد من قبل واشنطن "إلى إفهامنا صراحة أنها لا ترى تسوية للأزمة في سوريا إلا وفق شروطها"، وأن الولايات "تصدر أوامر مباشرة إلى المعارضة السورية حول ما يتعين عليها فعله، ولتشكيل حكومة في المنفى، وحول من سينضم إلى هذه الحكومة".

كما أبدى المجلس الوطني استياءه من دعوة كلينتون، معتبرا أن أي حديث عن تجاوز المجلس الوطني او تكوين اطر اخرى بديلة محاولة لإيذاء الثورة السورية وزرع بذور الفرقة والاختلاف، ومؤشر على عدم جدية قوى يفترض ان تكون داعمة للشعب السوري، وحمل رئيسه عبد الباسط سيدا مسئولية تزايد التطرف في الثورة السورية للمجتمع الدولي المتخاذل عن دعم المعارضة السورية. أما الهيئة التنسيقة للثورة السورية في القاهرة، فانتقدت بشدة دعوة كلينتون مؤكدة أن تلك الدعوة إشارة واضحة للتآمر الدولي على الشعب السوري إرضاء للروس وربما أطراف أخرى، ودليلا على التراجع الملحوظ في الموقف الأمريكي تحت مسمى توحيد المعارضة.

محاصرة تصاعد نفوذ المتطرفين

إضافة إلى حاجة الثورة السورية لتوحيد المعارضة وتفعيل تواجدها، فإن دعوة كلينتون تهدف أيضا إلى محاصرة نفوذ الجماعات المتطرفة، الإسلامية والجهادية بالأساس فيما يمكن أن تؤول إليه الامور مستقبلا في سوريا. إذ تشير تطورات الشهور الأخيرة إلى تنامي نفوذ الجماعات الجهادية في الداخل السوري ومن خارج سوريا أيضا بعد دعوة أيمن الظواهري للمجموعات السلفية بالتوجه الى سوريا والجهاد بالسلاح في ساحاتها، فظهرت تنظيمات عسكرية سلفية جديدة في الداخل السوري مثل "لواء الإسلام" و"احفاد الرسول" وغيرها، لتضاف إلى "جبهة النصرة" الموالية لتنظيم "القاعدة".

الأمر الذي يبدو أنه بات يمثل هاجسا أساسيا للولايات المتحدة التي لا يمكن تصور قبولها بأن تتحول سوريا في حال نجاح الثورة إلى موطن جديد للقاعدة والسلفية الجهادية التي تعلن العداء الكامل للولايات المتحدة، بما قد يمثل ضررا بالغا للمصالح الأمريكية في المنطقة، وقبل ذلك يؤثر بالسلب على جهودها لمحاصرة تنظيم القاعدة ومحاربة الإرهاب بشكل عام.

إذن فسحب البساط من تحت أقدام تلك الجماعات والتنظيمات هو الهدف الأساسي لواشنطن في اللحظة الراهنة. ومن ثم ربطت الولايات المتحدة تقديمها للدعم للمعارضة السورية بتشكيل كيان جديد يعتمد بالأساس على من خرج من سوريا حديثا أو انشق عن النظام السوري على ألا يكون من بينهم "متطرفين" خاصة من المتطرفين الإسلاميين. وبذلك يمكن إسناد التوصل إلى حل للأزمة السورية سواء عبر نجاح الثورة أو عبر الحلول السلمية إلى ذلك الكيان الجديد وليس إلى الجماعات المتطرفة، بما يدفع الأخيرة إلى الزاوية عند تقرير مستقبل سوريا ما بعد الأسد، وهو الأمر الذي سيعد في حال حدوثه انتصارا للدبلوماسية الأمريكية باعتبارها "صانع هذا الكيان".

ومن ناحية أخرى، فإن دعوة كلينتون لتوحيد المعارضة بهذا الشكل تستهدف أيضا ممارسة المزيد من الضغط على النظام السوري لتقديم تنازلات أكثر للمعارضة السورية. إذ يبدو أن الولايات المتحدة تزداد اقتناعا يوما بعد الأخر بصعوبة الحسم العسكري اعتمادا على الجيش السوري في ظل الأوضاع الحالية، وأن الرئيس الأسد يراهن على بقاء المعارضة في وضع التشرذم الذي ميزها منذ البداية لتحقيق العديد من المكاسب من خلال التأكيد على عدم وجود صوت واحد يتحدث باسم المعارضة، وأن الهدف الأساسي مما يحدث هو خلق حالة من الفوضى لن يدفع ثمنها سوى السوريين. وهنا يأتي الهدف الآخر لدعوة كلينتون وهو قطع الطريق على الرئيس الأسد لاستخدام تلك الذريعة طويلا سواء أمام السوريين أو أمام المجتمع الدولي، إذ أن تشكيل كيان موحد للمعارضة السورية بكل أطيافها وتشكيل حكومة في المنفى يعني الجاهزية الكاملة لاستلام السلطة في حال سقط النظام، ومن ثم تنقضي الشكوك المثارة حول إمكانية حدوث فوضى. أما في حال عدم سقوط النظام، فإن توحيد المعارضة سيمثل الرافعة الأساسية في إدارة الأزمة السياسية أو المفاوضات مع النظام، وهو البديل الذي تدفع في اتجاهه روسيا بالأساس وليس من المستبعد أن يلجأ الجميع إليه في النهاية. ومن هنا فإن توحيد المعارضة يعني تعظيما للمكاسب التي تحصل عليها في حال اللجوء إلى ذلك الخيار.

الموقف الدولي من الائتلاف الجديد

فيما يؤكد على الرغبة والجدية من المجتمع الدولي لدعم الائتلاف السوري الجديد، سارعت العديد من القوى الدولية والإقليمية بالاعتراف والترحيب به والاستعداد لدعمه في مواجهة النظام السوري. إذ أعلن مجلس التعاون الخليجي عن اعترافه بالائتلاف معتبرا أنه الممثل الشرعي للشعب السوري، كما أكد المجلس استعداده تقديم الدعم والمؤازرة لهذا الكيان، لتحقيق تطلعات وآمال الشعب السوري. أما دولة قطر فقد ركزت دعوتها للمجتمع الدولي على ضرورة الاعتراف بالائتلاف كممثل شرعي وحيد للسوريين.

كما أعلنت الولايات المتحدة أنها ستقدم دعمها للمعارضة السورية الموحدة، وأكدت في بيان صادر عن وزارة الخارجية أنها على عجلة من أمرها لدعم الائتلاف الوطني الذي يفتح الطريق أمام نهاية نظام الأسد الذي وصفه البيان بأنه نظاما دمويا. كما أعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أن "هذا الاتفاق يشكل خطوة مهمة في عملية توحيد المعارضة السورية التي لا بد منها", فيما قال وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ إنه "خطوة مهمة في تشكيل معارضة واسعة وتمثيلية تعكس كل تنوع الشعب السوري. أما وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو فقد أعلن إن "المعارضة لم تعد مقسمة وأنها بحاجة للدعم الكامل"، مشيرا إلى أن "أصدقاء سوريا يجب أن يدعموا هذا الاتفاق.. لم يعد هناك عذر. أما أمين عام حلف الناتو فقد رحب أيضا بالائتلاف ولكنه وصف خطوة التوحيد تلك بأنها "خطوة واحدة كبيرة إلى الأمام.. وننتظر لنرى ما إذا كانت هذه المعارضة الأكثر توحدا قوية بما فيه الكفاية". وأخيرا خرج الموقف الروسي كما هو متوقع مرحبا بتوحيد المعارضة السورية إذا كان سيصب في النهاية في اتجاه الحوار مع النظام السوري، فقال نائب وزير الخارجية الروسي، "توحيد المعارضة السورية قد يكون مفيدا في حال دخولها في حوار سياسي مع الحكومة، بموجب بيان جنيف".

وعلى الرغم من أن هذا الترحيب الدولي والسعي لتأمين أكبر قدر من الاعتراف الدولي والإقليمي بالائتلاف السوري الجديد- وهو ما يبدو واضحا- يشير إلى أن ثمة فرصا كبيرة أمام الائتلاف ليلعب دورا مؤثرا في مسار الثورة السورية في تلك المرحلة المهمة من عمرها، فإن نجاح هذا الائتلاف سيتوقف إلى حد بعيد على عوامل ترتبط أساسا بالائتلاف ذاته وموقف الفصائل المشكلة له. إذ لا يمكن في الواقع استبعاد احتمال أن يعاني الائتلاف الجديد للمعارضة السورية من نفس سلبيات المجلس الوطني. فالإعلان عن تشكيل الكيان الجديد لا يعني انتهاء الخلافات بين فصائل المعارضة داخل هذا الائتلاف، لاسيما وأن الدافع الأساسي للتوصل إلى ذلك الائتلاف كان دافعا خارجيا بالأساس، لم يكن ممكنا تحديه بسهولة من قبل المعارضة السورية الحالية. وفي كل الأحوال، فإن نجاح الائتلاف الجديد سيظل مرهونا إلى حد بعيد بقدرته على العمل والتواصل مع الداخل السوري، وهو أمر يبدو أن النجاح فيه تحوم حوله الكثير من الشكوك. كما أن تطورات الموقف الميداني ستكون حاكمة أيضا لمدى نجاح الائتلاف الجديد. باختصار فإن الأزمة السورية بعد توحيد المعارضة باتت على أعتاب مرحلة جديدة أو فصل جديد وربما يكون الأخير، إذ لم يعد السوريون في الداخل يمتلكون ترف التعامل مع فصول أخرى من ملحمة الصراع الدائر على الأرض الذي حصد حتى الآن حوالي 40 ألف سوري.

* صبحي عسيله، باحث متخصص في شؤون تركيا والمشرق العربي.