الأزمة السورية في العلاقات التركية - الأمريكية

نشر في: آخر تحديث:
على الرغم من رهان تركيا على انتخاب المرشح الديمقراطي باراك أوباما عام 2008 لتجاوز حالة التوتر والاضطراب التي وسمت العلاقات التركية الأمريكية، خلال فترة حكم "الرئيس الجمهوري" السابق جورج دبليو بوش، غير أنها غدت تراهن على الرجل ذاته على نحو أوضح وأكبر من ذي قبل، وذلك بعد إعادة انتخابه لفترة ولاية ثانية، نظرا لطبيعة العلاقات الودية التي جمعت البلدين خلال ولايته الأولى، وانطلاقا من تطورات المشهد الإقليمي المضطرب، وتداعياته على مصالح تركيا السياسية والأمنية، وحاجة تركيا إلى دعم ومساندة واشنطن في مواجهة التحديات والتهديدات التي باتت تشكلها دول الجوار الجغرافي.

هذا إضافة إلى نمط العلاقات الودية والتقدير المتبادل بين كل من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي باراك أوباما، والذي بدأ من تركيا أولى زياراته إلى دول العالم الإسلامي (ابريل 2009)، كما سعى خلال سنوات أربع خالية، أن يدفع بنموذج الإسلام المعتدل الذي يجسده حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، كنموذج لكافة الأحزاب والتيارات الإسلامية، لا سيما بعد اندلاع موجات الثورات العربية وصعود أحزاب الإسلام السياسي إلى الحكم في عدد من الدول العربية.

لذلك فقد كانت التهنئة بالفوز التي تلقاها باراك أوباما من قبل القيادات التركية، ليست محض تقليد دبلوماسي، وإنما تعبيرا عن الرغبة في العمل المشترك لتحقيق ما أسماه الرئيس التركي عبد الله جول "الشراكة النموذجية" بين دولتين ترتبطان معا بعلاقات استراتيجية تتعدى الجوانب الاقتصادية والسياسية إلى الجوانب الأمنية والعسكرية، وذلك لاعتبارات لا تتعلق وحسب بعضوية الدولتين في حلف شمال الأطلسي، وإنما أيضا بطبيعة أنماط التحالفات المشتركة وتاريخ العلاقات الثنائية، واحتضان تركيا لواحدة من أهم القواعد الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وهي "قاعدة انجرليك"، والتي تتمركز في محافظة آضنة جنوب البلاد.

قضايا الاشتباك

تنظر تركيا إلى إعادة انتخاب أوباما من منظور "الفرصة السياسية"، التي يمكن أن تساهم في إعادة تأسيس علاقاتها مع واشنطن، من خلال إيجاد أرضية مشتركة تضع حدا للخلافات وتباين الرؤى حيال طرق التعاطي مع قضايا المنطقة المتفجرة، وتداعياتها السلبية على الأمن القومي التركي، والذي تضرر، وفق الحسابات التركية، من ابتعاد واشنطن عن التفاعل الايجابي مع تركيا حيال تلك القضايا، وعدم تقديم المعلومات الاستخباراتية اللازمة لمواجهة حزب العمال الكردستاني، والتلكؤ في الاستجابة للمطالب الخاصة بشراء بعض نظم التسلح، خصوصا الطائرات الأمريكية من دون طيار.

يضاف إلى ذلك التخلي عن العراق، بعد الانسحاب العسكري منه، ليغدو ساحة نفوذ خالصة لإيران، هذا فضلا عن عدم تقديم الدعم المناسب للمعارضة السورية، المدعومة سياسيا وماليا من قبل أنقرة، وهو ما أضعف موقف تركيا في مواجهة دول الجوار الجغرافي، وكان أحد أسباب فشل سياساتها الرامية لأن تغدو "دولة فوق النزاعات الإقليمية"، وذلك بسبب ما باتت تواجهه علاقاتها مع دول جوارها من حالة من التوتر وما تتسم به من اضطراب.

وعلى الرغم من ذلك فإن أنقرة اعتبرت أن أوباما أكثر اعتدلا من المرشح الجمهوري ميت رومني، وأن إعادة انتخابه يمكن أن تساهم في منحه قدرة أكبر على الحركة، بما قد يدفع بإعادة تأسيس الشراكة السياسية والعسكرية بين الدولتين، ويدعم خطط تركيا الخاصة بوضع حدا لتدهور الأوضاع الأمنية في سوريا، وتغيير مجرى الأحداث الدائرة على الأرض، عبر تبني سياسات مغايرة تسفر عن دعم ومساندة عمليات تسليح المعارضة، وإقامة مناطق أمنة على الحدود التركية السورية المشتركة، على نحو يكون من شأنه استيعاب حركة اللاجئين داخل الحدود السورية، ويمنح تركيا قدرة أكبر على حماية أمنها وحدودها، ويتيح في ذات الوقت مساحة مناسبة لحركة المعارضة في شقيها السياسي والعسكري.

لذلك فإن الأهداف التركية المدعومة بمشاعر النشوة والحذر بعد فوز أوباما، ارتبطت بملفين أساسيين هما:

أولا: الرغبة التركية في تفادي تضرر العلاقات بين البلدين، ودفع الإدارة الأمريكية للآخذ في الاعتبار التحديات والتهديدات التي تواجهها تركيا مع تطورات الأزمة السورية وتعقيداتها، خصوصا في ظل تنامي القناعة بأن واشنطن دفعتها لتبني مقاربة متشددة حيال الأزمة السورية، ثم تخلت عنها، ولم توفر الدعم اللازم لتنفيذ الخطط المشتركة، والخاصة بإقامة مناطق آمنة في شمال سوريا، كما لم تتعاط جديا مع التهديدات التي تتعرض لها، لا سيما بعد الاشتباكات العسكرية التي نجمت عن عمليات القصف المدفعي المتبادل على جانبي الحدود.

ثانيا: رغبة تركيا في أن تتواصل مع الإدارة الأمريكية، بغية التأكيد على أنها تكاد تكون الطرف الإقليمي الوحيد الذي دفع ثمن أخطاء السياسية الأمريكية فيما يتعلق بالملف السوري، من جراء ابتعاد الإدارة الأمريكية عن هذا الملف مكتفية بتنسيق دبلوماسي وسياسي واستخباراتي مع تركيا، لم ينتج عنه تطور ملموس على الأرض، حيث لم يتوقع الطرفان بقاء النظام السوري كل هذه الفترة في مواجهة حركة المظاهرات الشعبية والعمليات العسكرية، التي تعد الأعنف، هذا بالإضافة إلى عدم القدرة على الحد من الدعم غير المحدود الذي يوجه للنظام البعثي من قبل ثالوث روسيا وإيران وحزب الله في لبنان.

حسابات معقدة

في المقابل من ذلك، فقد ارتبطت حسابات واشنطن المعقدة بطبيعة التداخل الإقليمي والدولي، واعتبارات الأزمة الاقتصادية العالمية، والتوازنات الإقليمية المضطربة، وامتلاك سوريا لأسلحة كيمائية وبيولوجية، واجتياح الصراعات الأثنية والطائفية والعرقية الأراضي السورية، على نحو بات يهدد بتداعيات إقليمية وخيمة، هذا إلى جانب تأثر السلوك الأمريكي بالنتائج الكارثية لاحتلال كل من أفغانستان والعراق، وطبيعة المزاج الشعبي الذي لا يحبذ أي تدخل عسكري آخر في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى القلق من أن يفضي دعم المعارضة السورية بأسلحة ثقيلة، إلى وصول هذه الأسلحة إلى بعض التنظيمات المتطرفة، وهو ما قد صار مستبعدا- وفق العديد من المراقبين- بعد توحيد المعارضة في الخارج وفصائل الثورة المسلحة ضد نظام الأسد في الداخل.

ومع ذلك تأمل تركيا أن تعيد الإدارة الأمريكية مقارباتها السياسية والعسكرية حيال الوضع السوري، والآخذ في الاعتبار حسابات الأمن القومي التركي، التي دفعت تركيا للمطالبة بنشر صواريخ باتريوت على طول الحدود المشتركة مع سوريا (877 كم)، وذلك بهدف حماية أراضيها ومصالحها الحيوية في مواجهة أية غارات جوية أو صواريخ سورية خلال شهر نوفمبر الماضي 2012.

وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية قد تفاعلت إيجابيا مع المطالب التركية، على نحو دفع بالبدء في نشر صواريخ باتريوت في جنوب تركيا لتضاف إلى أخرى سبق نشرها في هذه المنطقة تحسبا لأي هجوم صاروخي عراقي ضد تركيا، غير أن هذا التطور الايجابي، وفق المنظور التركي، سترتبط فاعلية نتائجه بامتداد الاستجابة للاحتياجات الخاصة بالدعم الاستخباراتي في مواجهة حزب العمال الكردستاني، والذي تعددت ضرباته النوعية للمصالح التركية، على نحو تتداعي أثاره السلبية على الساحة السياسية، بسبب الانتقادات اللاذعة المتوالية التي باتت توجه من قبل أحزاب المعارضة للسياسات التركية، التي أفضت إلى توتر العلاقات مع كل من روسيا وسوريا وإيران والعراق.

هذه التطورات في مجملها، يبدو أنها ستغدو محددات أساسية في اتجاه تركيا لدفع إدارة أوباما في ولاياتها الجديدة لإعادة النظر في حساباتها الإقليمية آخذا في الاعتبار المصالح التركية، ليس وحسب في شأن الملف السوري، وإنما أيضا فيما يخص الملف الإيراني، ذلك أن النظر إلى الملف الإيراني باعتباره ملفا أمنيا وحسب دون الآخذ في الاعتبار اعتماد تركيا على الغاز الإيراني، من شأنه أي يتسبب في المزيد من الأضرار للمصالح التركية، لا سيما في ظل اقتناع أنقرة بأن واشنطن ستتجه إلى فرض مزيد من العقوبات على النظام الإيراني، لإثنائه عن خططه الخاصة ببرنامجه النووي، هذا مع الإبقاء على خيار التدخل العسكري (الجوي)، مطروحا على الطاولة، وهو ما قد يفضي إلى خسائر اقتصادية تركية ضخمة.

ومن ثم، فإن تركيا تعي جيدا أن تطورات الشرق الأوسط مثلما أثارت تهديدات، فقد أتاحت فرصا، ولأن واشنطن لا زالت لاعبا رئيسا على مسرح عمليات الإقليم، فإن أنقرة بدورها مستمرة في الرهان على الدور الأمريكي بقيادة بارك أوباما، سواء في يخص الأزمات الإقليمية المحيطة، أو فيما يتعلق بدعم عمليات التحول الديمقراطي في دول "الربيع العربي"، وتبني سياسات مشتركة حيال تدعيم الأمن والاستقرار في المنطقة، وإعادة تحريك ملف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، ودفع إسرائيل لإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، والاعتذار لتركيا، وتقديم تعويضات لأسر ضحايا حادثة قافلة الحرية.

* محمد عبد القادر خليل. باحث متخصص في شؤون تركيا والمشرق العربي.