شعارات مليونية الشرعية والشريعة ثلاث دلالات حاكمة

نشر في: آخر تحديث:
سيدخل يوم الأول من ديسمبر من عام 2012 التاريخ المصري بجدارة، باعتباره يوماً فاصلاً بين ما كان قبله وما تلاه. فقبل ذلك اليوم بخمسة أشهر كانت مصر قد انتخبت ممثل جماعة الإخوان المسلمين رئيساً لها منذ الأول من يوليو 2012 على أمل أن تبدأ مسيرة تحقيق أهداف ثورة 25 يناير والقضاء على بقايا النظام السابق وفتح الطريق أمام تأسيس جمهورية ديمقراطية يفاخر بها المصريون. وتسلم الرئيس السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ثم قرر أن يطيح بالمجلس نفسه في 12 أغسطس ويصدر إعلانا دستوريا مكملا جديدا يعطيه الكثير من الصلاحيات الإضافية ويضمن له الاستحواذ على السلطة التشريعية لحين انتخاب مجلس شعب جديد. وقبل الشارع المصري ذلك الأمر على مضض نظرا لأنه كان يعني ضمن ما يعني التخلص من سلطة العسكريين، ودخل الرئيس بإرادته المنفردة في صراع مفتوح مع القضاء بدءا بقراره إعادة مجلس الشعب المنحل في 8 يوليو 2012، ومرورا بقرار إقالة النائب العام في 11 أكتوبر 2012 وانتهاء بالإعلان الدستوري في 22 نوفمبر 2012 الذي حصن فيه قرارات الرئيس من المساءلة أمام القضاء، وهو يوم سيسجله التاريخ أيضا باعتباره بداية المذبحة الأولى للقضاء المصري في ظل الحكم الإسلامي.

وقد استدعى هذا الإعلان عودة الشعب والشباب الثوري مرة أخرى إلى ميدان التحرير منذ يوم الجمعة 24 نوفمبر والاعتصام به لإسقاط الإعلان الدستوري. هذا المشهد بتلك التفاصيل ليس به جديدا، بل كان متوقعا إلى حد بعيد خاصة فيما يتعلق بعودة المعارضة إلى الشارع للاحتجاج على سياسات وقرارات الرئيس، وكانت خطورته الوحيدة متمثلة في عدم استجابة الرئاسة لمطالب الشارع. بتعبير آخر فقد ظل الصراع إلى حد بعيد قبل الأول من ديسمبر بين السلطة والمعارضة التي تستخدم الشارع. ومع احتدام الصراع بين الطرفين قرر الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي في عمومه خاصة السلفيين النزول إلى الشارع تأييدا لقرارات الرئيس وإعلانه الدستوري. وحددوا يوم الثلاثاء 27 نوفمبر موعدا لتنظيم مليونية دعم الرئيس في نفس الوقت الذي كانت القوى المعارضة الموجودة في ميدان التحرير تستعد لمليونية لمعارضة الرئيس. واختار الإخوان ميدان عابدين ثم عدلوا عنه حقنا للدماء ونقلوا المليونية إلى ميدان نهضة مصر أمام جامعة القاهرة، ثم تم إلغاء المليونية برمتها أيضا حقنا للدماء. بيد أن المشهد الذي خرج به ميدان التحرير في مليونية الثلاثاء 27 نوفمبر قد دفع الإخوان للتفكير مرة أخرى في ضرورة تنظيم المليونية مرة أخرى أمام جامع القاهرة، فكان مشهد يوم السبت 1 ديسمبر تحت شعار دعم الشرعية والشريعة.

الدلالة الأولى

ومن هذا الشعار تأتي الدلالة الأولى لتلك المليونية. فالصراع الذي فجره الإعلان الدستوري 22 نوفمبر هو صراع سياسي بالدرجة الأولى ولم تكن الشريعة مطروحا في سياقه بأي حال من الأحوال وكان مفهوما قبل تلك المليونية بأيام أن الإخوان والتيار الإسلامي في طريقهم للتظاهر تأييدا للرئيس كما فعلوا يوم 24 نوفمبر أمام القصر الرئاسي بمصر الجديدة، وهي التظاهرة لم تثر حفيظة المعارضين باستثناء قرار الرئيس بالخروج إليهم والتحدث إليهم بينما يفترض فيه أنه رئيس لكل المصريين وليس رئيسا للمؤيدين فقط أيا كان انتماؤهم. ولكن يبدو أن تأييد الرئيس فقط لم يكن كافيا لاستقطاب السلفيين وبقية أطياف التيار الإسلامي إلى جانب الإخوان، فكان لابد من استخدام الشريعة وتصويرها على أنها مهددة بما من شأنه أن يستقطب ليس فقط التيار الإسلامي ولكن أيضا بعض فئات المجتمع التي لا ترضى في عمومها تهديد الشريعة أو النيل منها. كما أن إدخال الشريعة كهدف للمليونية سوف يؤدي إلى إضعاف المعارضين وتشويه صورتهم وإبرازهم كأنهم معارضين للشريعة، بما قد يبرر تكفيرهم. وهكذا بدا أن مصر في يوم الأول من ديسمبر منقسمة إلى فسطاطين؛ الأول في ميدان النهضة للدفاع عن الشريعة والثاني في التحرير للدفاع عن شئ آخر تم اختزاله من جانب الإسلاميين في العلمانية. وفي هذا السياق يندرج الجزء الأكبر من شعارات المليونية. إذ هتف المتظاهرون " الشعب يريد تطبيق شرع الله"، شعب مصر قال قراره ..الشريعة إختياره" "اشهد اشهد يا الله...شرعك هو اللى إخترناه"، يا مصراوي قول..إسلامية علي طول". "أهل الدعوة وأهل الدين حراس مصر ليوم الدين"، إسلامية إسلامية رغم انف العلمانية"، "إسلامية إسلامية لا ليبرالية ولا علمانية"، "يا علمانى يا ليبرالى الإسلام راجع تانى"، "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود"، "يا أحزاب يا كرتونية مصر هاتفضل إسلامية"، "عيش.. حرية.. شريعة إسلامية". وهذا الشعار الأخير جاء نكاية في ميدان التحرير والثورة المصرية بصفة عامة التي كان شعارها الرئيسي "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية".

إذن، فمليونية الشريعة والشرعية تشير بوضوح إلى تعطل قناة السياسة أو المفاوضات أو التوصل إلى توافقات بين "الموالاة" و"المعارضة" في مصر، وأن النظام الحاكم عازم على المضي في الوصول بالأمور إلى حافة الهاوية مدعوما بقدرته التيار الذي يمثله على الحشد والتعبئة في الشارع. ومن ثم فإن على القوى المدنية والتيارات المعارضة أن تتعامل مع النظام والتيار الإسلامي من الأن فصاعدا في ضوء الدلالات الثلاثة السابق الإشارة إليها. كما تؤكد المليونية أيضا أن النظام الحاكم بات عاجزا على التعامل مع الموقف السياسي في حدود ما يتيحه القانون والدستور الذي أقسم على احترامهما، ومن ثم يلجأ إلى الإعلانات الدستورية والاستحواذ على القضاء أو على الأقل تنحيته أو تحييده حتى تصبح الساحة خالية تماما للإجهاز على ما تبقى من الدولة المصرية بنية إصلاحها وبما لا يخالف شرع الله.

الدلالة الثانية

الدلالة الثانية هي أن النظام الحاكم في مصر ما زال يتعامل مع الأمر وكأنه ما زال في المعارضة. ومن ثم فإن من حقه استخدام الشارع للتعبير عن موقفه، واثبات أن التيار الذي يمثله هو التيار الأكثر قوة والأكثر عددا، وبالتالي الأكثر تمثيلا للمصريين. فتم الحشد للمليونية بشكل كبير جدا ادعى قادة التيار الإسلامي أنه وصل إلى ما بين 5 إلى 6 مليون شخص. وبما أن ذلك كذلك يتصور النظام أن من حقه باعتباره الأغلبية أن يدير البلاد كيفما يشاء وأن تلك هي قواعد الديمقراطية وتسويق الأمر على أنه سعي لتحقيق أهداف الثورة والقصاص للشهداء. وفي هذا السياق رفع المتظاهرون شعارات: "الشعب المصرى بالملايين نازل على كل الميادين ومرسى رئيسنا 4سنين"، "حرية وعدالة مرسي وراءه رجال"، "قوة عزيمة إيمان.. مرسي بيضرب في المليان"، "يا مرسي اتوكل على مولاك.. وبإذن الله كلنا معاك"، "مرسى سير سير واحنا وراك للتغيير"، "ارسم مصر في أجمل صورة.. مصر يا مرسي معاك منصورة"، " إصحوا ياشعب وقولوا...المرسى مش بطوله"، "نعم لاستكمال أهداف الثورة"، "سامع ام شهيد بتنادي مرسي جاب لي حق ولادي", "عاش مرسي عاش دم الشهدا مارحش بلاش. علاوة على ذلك فقد تم استخدام قاعدة الأكثرية العددية أيضا في التقليل من قيمة وأهمية الانسحابات من الجمعية التأسيسية، فقيل أن انسحاب 26 شخصا من التأسيسية لا يؤثر على عملها وعليها الاستمرار في عملها، وأن الاعتراض على مسودة الدستور لا يتجاوز تسع مواد من أصل 234 مادة تتضمنها المسودة. ومن ثم رفع المتظاهرون شعار لشكر الجمعية التأسيسية: "الغريانى والجمعية شكرا ليكم ألف تحية".

الدلالة الثالثة

الدلالة الثالثة هي أن النظام الإسلامي الحاكم وعبر خمسة أشهر من التواجد في السلطة لم يستطع أن يخفف من حدة الاحتقان الموجود في الشارع المصري ما بين التيار الإسلامي والتيارات الأخرى، بل إن مليونية الشريعة والشرعية تشير بوضوح إلى سعى متعمد أو غير متعمد إلى زيادة حدة الاحتقان واللعب على حالة الخلاف الموجود في المجتمع، ثم الاحتكام إلى منطق الأغلبية والقوة فقط، والسماح لتلك القوة بدهس كل الاعتبارات القانونية والدستورية والدخول في حرب مفتوحة ما القضاء ما دام ذلك يحقق الهدف الأساسي المتمثل في السيطرة على مفاصل الدولة توجيه دفتها إلى حيث يريد التيار الإسلامي. وفي هذا السياق رفع المتظاهرون شعارات: "يا صباحي قول للبرادعي مين فيكم للفتنة بيدعي"، " ولا برادعي ولا صباحي.. الشعب المصري صاحي صاحي"، "طهر طهر يا رئيس.. القضاء الفاسد يا رئيس"، "الشعب يريد تطهير القضاء"، "قول يا سيادة النائب العام.. قولي بعت الدم بكام"، "ياللا يامرسى كمان وكمان ..نضف طهر كل مكان". وقبل ذلك بأيام كان الشعار "زند يا زند يا زند.. مش هانسيبك لو في الهند".

ولم تتوقف حرب النظام والتيار الإسلامي مع القضاء عند حد الشعارات ولا قرارات الرئيس ومحاولات سحب اختصاصات القضاء والتدخل في شئونه، بل تطور الأمر بالدعوة خلال مليونية الشريعة والشرعية إلى التوجه إلى المحكمة الدستورية العليا والاعتصام أمامها لمنعها أو على الأقل الضغط على قضاتها أثناء نظرا أولى جلسات قضيتي حل مجلس الشورى والجمعية التأسيسية مع أن الرئيس قد حصنهما في إعلانه الدستوري 22 نوفمبر من الحكم المتوقع للمحكمة الدستورية. وبالفعل توجه أنصار الرئيس من التيار الإسلامي إلى المحكمة الدستورية العليا وحاصروها فمنعوا القضاة من دخول المحكمة في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ مصر. وهو الأمر الذي أدى إلى إعلان المحكمة تأجيل الجلسة إلى أجل غير مسمى، أو لحين تمكين قضاتها من دخول مقر المحكمة وعقد الجلسة، معتبرة أن يوم الثاني من ديسمبر 2012 هو يوم أسود في تاريخ مصر. والأخطر في تلك الواقعة أن الأمن المنوط به حماية المحكمة الدستورية لم يتدخل لمحاولة تمكين القضاة من أداء عملهم، كما أن الرئيس لم يعلق على الأمر على الأقل بالشجب والإدانة.

*دراسة أعدها صبحي عسيلة