نتائج حوار مرسي مع الأطراف الحقيقية للأزمة السياسية في مصر

نشر في: آخر تحديث:
انتهى الحوار الوطني الذي عقدته مؤسسة الرئاسة المصرية في ظهر 8 ديسمبر 2012 واستمر لنحو ست ساعات إلى تشكيل لجنة سداسية لتعديل الإعلان الدستوري المثير للجدل - الذي أصدره الرئيس المصري محمد مرسي في 22 نوفمبر الماضي - وإصدار إعلان دستوري جديد، مع اتفاق "مؤجل" على تأجيل الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد مع إرجاء الاستفتاء للمصريين بالخارج بالفعل من السبت 8 ديسمبر إلى الأربعاء 12 ديسمبر.



نتائج الحوار تبرز رغبة مؤسسة الرئاسة المصرية في نزع فتيل الأزمة المحتدمة منذ 18 يوماً عبر تقديم تنازلات في قضية الإعلان الدستوري مع فتح الباب أمام تأجيل الاستفتاء. وهي النتائج التي لا تمثل بأي شكل من الأشكال تركيبة الجالسين على طاولة الحوار، حيث إنها اقتصرت على ممثلي التيار السياسي الإسلامي والمتعاطفين معه بالإضافة إلى عدد قليل جداً من ممثلي التيار المدني وسط مقاعة "جبهة الإنقاذ الوطني" الممثل الرئيسي حالياً للتيار المدني في مصر والتي تضم كلا من محمد البرادعي وعمرو موسى وحمدين صباحي ومحمد أبو الغار والسيد البدوي.



وهو ما يجعلنا نرى أن نتيجة الحوار كانت تعبيراً عن محاولة مؤسسة الرئاسة و"الإخوان المسلمين" عن التراجع خطوة عبر "حوار شكلي" لتخفيف حدة الضغوط عليها المتمثلة في التظاهرات الحاشدة للتيارات المدنية التي نجحت في حصار قصر الرئاسة والقوى المدنية المتحدة في ظل "جبهة الإنقاذ" ورفض القضاة الإشراف على الاستفتاء وضغوط المؤسسة العسكرية وكذلك المؤثر الخارجي المتمثل في الموقف الأمريكي.



إن نتائج "الحوار الشكلي"، من جانب آخر، تعبر عن عدم قدرة الرئاسة المصرية في اللحظة الراهنة في اتخاذ خطوات حاسمة لحل الأزمة الراهنة، حيث إنها غير قادرة على التراجع عن الإعلان الدستوري والاستفتاء تحت ضغط تيار الإسلام السياسي الداعم للرئيس والذي يعتبر التراجع بمثابة إعلان هزيمة أمام التيار المدني. في المقابل، فإن إظهار المرونة عبر حوار مع شخصيات مدنية وليبرالية – منعدمة التأثير جماهيراً – كان هو الخيار المتاح لإظهار رغبة المؤسسة في الحوار وإمكانية التراجع.

ولعل فهم نتائج الحوار يتطلب وضع تصور واضح لخريطة أطراف الأزمة الراهنة بعيداً عن طاولة الحوار الرئاسية وهي: التيار الإسلامي والقوى المدنية والمؤسسة العسكرية.

التيار الإسلامي: التمترس خلف "الشرعية الرئاسية"

منذ بداية الأزمة السياسية الراهنة في مصر، برز أن الرئيس "الإخواني" محمد مرسي وجماعته وتيار الإسلام السياسي المؤيد له يتمترسون خلف شرعية الرئيس. حيث أرجع مرسي إصداره الإعلان الدستوري في 22 نوفمبر – الذي منحه سلطات مطلقة - إلى "مؤامرة" على الشرعية كان يقوم عليها أطراف من النظام السابق والمحكمة الدستورية العليا. وبالتالي اتهم التيار الإسلامي المعارضة بالتأمر والفساد.

ومع تدحرج "كرة الثلج" وصعود حركة جماهيرية واسعة معارضة للإعلان الدستوري والاستفتاء على الدستور، حاول التيار الإسلامي إبراز قدرته على الحشد عبر مسيرات "الشرعية والشريعة" وما تلاها من هجوم على المعتصمين أمام القصر الرئاسي "الاتحادية". ولكن محاولات "الإخوان" والسلفيين في فرض السيطرة على الشارع واجهتها تصعيد غير متوقع بإحراق مقرات حزب "الحرية والعدالة" في القاهرة ومحافظات مصر إلى جانب عدم انصياع الشارع لمظاهرات "الترهيب" التي قام بها التيار الإسلامي.

وفي هذا السياق، أدرك التيار الإسلامي أنه أمام معركة "صعبة" غير متوقعة، مما دفعه للعب بورقتين الأولى هي إبراز التشدد والعنف وتوجيه الاتهامات بالخيانة للمعارضة والثانية هو محاولة الظهور بمظهر الضحية. فنجد أن المرشد العام لجماعة "الإخوان المسلمين" محمد بديع يتهم المعارضة بأنها "فساد واستبداد وإجرام" في خطاب ينتمي للمدرسة القطبية الإخوانية وكان مستتراً خلال العامين الماضيين مع اندلاع ثورة 25 يناير وسعي "الإخوان" للحديث عن التوافق والجماعة الوطنية والتحالف.

بل وصل الأمر إلى اتهام بديع للإعلان بتشويه "الإخوان"، متخذ صف السلفي المتشدد حازم صلاح أبو إسماعيل الذي جمع أنصاره لمحاصرة مدينة الانتاج الإعلامي لإرهاب القنوات الفضائية المصرية. بالتوازي استخدم بديع خطاب "الضحية" عبر القول إن القتلى في مواجهات "الاتحادية" في يوم 5 ديسمبر هم جميعاً من "الإخوان" واعتبرهم "شهداء" من أجل الحفاظ على الشرعية.

وكان خطاب "الشرعية" هو العنوان الرئيسي ايضاً لبيان ما يسمى بـ"ائتلاف القوى الإسلامية"، الذي يضم "الإخوان" والسلفيين. حيث حذر البيان من التلاعب بإرادة الشعب ومحاولة اغتصاب الدولة أو الإنقلاب على الشرعية، فاتحاً كافة الخيارات أمام القوى الإسلامية للحفاظ على الشرعية ومؤسسات الدولة المنتخبة. وشدد البيان على اجراء الاستفتاء على مشروع الدستور في موعده، معتبراً الاستفتاء بمثابة خطوة على طريق بناء مؤسسات الدولة والاستقرار.

هذه المكونات لخطاب التيار الإسلامي من "تخوين" المعارضة واتهام الإعلام بالتأمر والدفاع عن الشرعية والدعوة للاستقرار، هي تعبير بشكل واضح عن تمترس التيار خلف "الشرعية الرئاسية" في مواجهة ما يعتبره "مؤامرة" على الحكم الإسلامي. وهو ما ترجمه نائب المرشد والرجل الأقوى في "الإخوان" خيرت الشاطر بقوله إن الجماعة رصدت لقاءات بين أطراف دولية وإقليمية لسرقة الثورة، متهماً هذه الأطراف بمحاولة افشال تجربة الإخوان في الحكم.

القوى المدنية: المواجهة الحاسمة

في مواجهة التيار الإسلامي، برزت "جبهة الإنقاذ الوطني" التي نجحت في لم شمل القوى المدنية المعارضة لـ"الإخوان" وتحت قيادة كل من محم البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى. وبرزت قوة هذه الجبهة بقدرتها على الحشد في المظاهرات المتتالية خلال الأسبوعيين الماضيين ومنحها شرعية الممثل الرئيسي للتيار المدني المعارض لـ"الإخوان" في الشارع المصري.

وأدركت الجبهة مدى قوتها وقدرتها على الحشد وأنها غير مضطرة للدخول في حوار مشروط من قبل مؤسسة الرئاسة في اللحظة الراهنة. فقد أصبحت الجبهة في وضعية "القيادة" الجديدة لتيار مدني واسع في الشارع المصري يضم بالأساس أبناء الطبقة الوسطى في المدن الرافضين لنموذج الحكم الإسلامي على الطريقة الإخوانية والسلفية ومحاولات الاستبداد وقمع الحريات التي برزت خلال الفترة الأخيرة.

وفي هذا السياق، كان موقف هذه الجبهة الرئيس هو الدعوة لإسقاط الإعلان الدستوري وتأجيل الاستفتاء على مشروع الدستور. وهي المطالب التي سعى محمد مرسي إلى التحايل عليها عبر الإعلان الدستوري الجديد وتأجيل استفتاء المصريين في الخارج.

وشددت "جبهة الإنقاذ" في بيان 8 ديسمبر أثناء انعقاد الحوار الرئاسي على رفضها للإعلان الدستوري غير الشرعي وكذلك رفض الاستفتاء على الدستور قبل التوافق عليه، ولكنها بالتوازي فتحت باب الحوار في حال تلبية هذه المطالب. وبدا رفض "الجبهة" لمحاولات جرها للتشدد و"الانتحار السياسي" عبر التصعيد فوق قدرتها على الحشد أو رغبة الشارع، حيث أعلنت صراحة دعوتها للاعتصامات السلمية مع عدم الدعوة لإضراب عام في ظل عدم وجود جو عام قابل لهذه الصيغة "النضالية" في الوقت الراهن.

هكذا، فإن جبهة الإنقاذ تدرك أن مصدر قوتها هو الحركة الاحتجاجية والاعتصامات ورفض الحوار دون تراجع الرئاسة و"الإخوان" عن الإعلان الدستوري (الديكتاتوري) ولكنها بالتوازي تعلم أن محاولة استخدام أدوات تصعيدية مثل الإضراب العام تتطلب وجود قوى اجتماعية تقف بخلفها - خارج الطبقة الوسطى - وهو الأمر غير المتاح حالياً في ظل ابتعاد الطبقة العاملة المصرية حتى اللحظة عن الصراع السياسي.

المؤسسة العسكرية: فرض التنازلات على مرسي

عادت المؤسسة العسكرية المصرية مجدداً إلى بؤرة الضوء في ظل الصراع المفتوح بين التيار الإسلامي والقوى المدنية، وبلغ الأمر ببعض المحللين إلى توقع انقلاب عسكري على حكم مرسي. ولكن واقع الخريطة السياسية يشير بوضوح إلى أن المؤسسة العسكرية أصبحت تدرك جيداً أن مرحلة الانقلابات قد ولت في ظل وجود مؤسسة رئاسية مدعومة بتيار سياسي واسع ومنظم ومع الرفض الدولي لخيار الانقلاب وكذلك مع رفض الشارع السياسي وحتى المدني والليبرالي منه لخيار الانقلاب.

في المقابل، فإن رؤية البعض أن المؤسسة العسكرية خرجت تماماً من الصورة بعد قرارات 12 أغسطس الماضي وحل المجلس العسكري وإقالة المشير طنطاوي وساعده الأيمن سامي عنان تظل قاصرة. فنحن أمام مؤسسة حكمت مصر منذ 1952 ولها أذرع اقتصادية ودور سياسي محوري في النظام المصري لا يمكن أن تخرج من الصورة بمجرد إقالة وزير دفاع أو رئيس للأركان.

ووضح خلال الأزمة الراهنة أن المؤسسة العسكرية المصرية ترفض الانحياز بشكل واضح لمؤسسة الرئاسة "الإخوانية"، بل تسعى للتأكيد على دور الحياد والحفاظ على الاستقرار. بالتوازي، فإن المؤسسة تلعب دوراً في الضغط على الرئيس من أجل الحوار والتوافق وتقديم التنازلات للحيلولة دون حالة الانقسام في الشارع والساحة السياسية.

ومن هنا كان المؤشر الرئيسي لخروج "الحوار الشكلي" بقرارات جديدة وإعلان دستوري جديد هو بيان الجيش المصري الذي دعا صراحة للحوار للوصول إلى توافق، في رفض صريح لخيار "التعنت" الرئاسي والتمسك بالإعلان الدستوري وإجراء الاستفتاء في موعده. بل إن المؤسسة العسكرية حذرت صراحة من أنها "لن تسمح بأن تدخل البلاد نفقاً مظلماً نتائجه كارثية". ونجد أيضاً أن الجيش المصري ضم في بيانه مزيجاً من خطاب كل من الجبهتين المتصارعتين، فشدد على "الشرعية الرئاسية" والحفاظ عليها الذي يمثل محور ارتكاز خطاب التيار الإسلامي. وبالتوازي، شدد على دعم الحوار وأهمية التوصل لتوافق يجمع كافة الأطياف حل القضايا والنقاط المختلف عليها وهو مركز خطاب القوى المدنية ممثلة في "جبهة الإنقاذ" في رفضها للإعلان الدستوري ومشروع الدستور الجديد.

ولعل دور المؤسسة العسكرية يتضح في أنها كات طرفاً رئيسياً لحوارات واشنطن مع القوى الرئيسية في الأزمة المصرية، وهو ما اشار إليه المتحدث باسم الخارجية الأمريكية مارك تونر صراحة في 7 ديسمبر بقوله إن الولايات المتحدة "على اتصال منتظم مع جميع الأطراف المعنية بما في ذلك العسكريون".

* أكرم ألفي