التقرير الأسبوعي قمة المنامة وتكلفة تمرير الدستور بمصر

نشر في: آخر تحديث:
هيمنت فاعليات القمة الخليجية بالمنامة، ونتائج الاستفتاء على الدستور المصري، ومباحثات لخضر الإبراهيمي، على أجندة أحداث المنطقة خلال الأسبوع المنصرم (21- 27 ديسمبر/كانون الثاني).

ففي المنامة، أظهر قادة الخليج العربي رغبتهم في السير قدماً نحو الاتحاد الخليجي وتعزيز التعاون الأمني والدفاعي في مواجهة التهديدات الإقليمية المتزايدة. وعلى ضفاف النيل، نجح الرئيس المصري محمد مرسي في تمرير الدستور الجديد بأغلبية 63%، رغم احتجاج المعارضة ورصدها لانتهاكات في عمليات التصويت، وجاء إقرار الدستور المصري الجديد ليفتح ملفات جديدة، أبرزها مدى قدرة التيار الإسلامي على التماسك خلال الفترة المقبلة وتحقيق الاستقرار السياسي إلى جانب المخاوف من خروج الأزمة الاقتصادية عن نطاق السيطرة. وفي سوريا، هيمنت تفاعلات زيارة لخضر الإبراهيمي على المشهد مع عدم خروج المبعوث العربي والدولي عن خط الحكومة الانتقالية والبحث عن "خروج آمن" لبشار الأسد. بالتوازي، فرض الصقيع جموداً على ساحة المعركة بين القوى النظامية والمعارضة المسلحة.

القمة الخليجية.. الطريق إلى الاتحاد

هيمنت دعوة خادم الحرمين الشريفين التي حملها الأمير سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي، لتبني دول الخليج العربي الإعلان عن الاتحاد الخليجي في قمة الرياض المقبلة على اعمال قمة المنامة التي اختتمت أعمالها في 25 ديسمبر/كانون الاول. وأكد ولي العهد السعودي صراحة أن ما حققه مجلس التعاون الخليجي من إنجازات "ليس في مستوى الطموحات". واعتبر أن "الانتقال إلى مرحلة الاتحاد الخليجي سيحقق الخير لشعوب الخليج"، كاشفاً عن سعي دول الخليج العربي إلى "بناء منظومة دفاعية وأخرى أمنية مشتركة".

وجاءت الدعوة للسير قدماً نحو الاتحاد الخليجي وسط تزايد حجم التحديات التي تواجه دول منطقة الخليج العربي من التهديد الإيراني مروراً بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية انتهاء بسعي جماعات سياسية لاستغلال "الربيع العربي" من أجل زعزعة استقرار دول المنطقة. ولعل قرارات القمة الـ33 عكست إدراك قادة دول الخليج العربي لحجم التحديات والمخاطر. وتضمن البيان الختامي سرعة تنفيذ ما ورد في الاتفاقية الاقتصادية بخصوص توحيد السياسات المالية والنقدية، كما صادق القادة على قرارات مجلس الدفاع المشترك، وإنشاء قيادة عسكرية موحدة.

وحول العلاقات مع إيران، أعرب المجلس الأعلى لمجلس التعاون عن رفضه واستنكاره لاستمرار التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون. ودعت الكويت إيران الى إبداء مزيد من التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتصدي لبواعث القلق في دول الخليج العربية بشأن سلامة محطتها النووية المطلة على الخليج. وقال امير الكويت، الشيخ صباح الاحمد الصباح، في القمة "إن إغلاق محطة بوشهر أخيراً يبين ضرورة تعاون طهران مع الوكالة التابعة للأمم المتحدة لضمان سلامة المحطة." وشدد البيان الختامي على ضرورة أن تلتزم طهران مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل. وعلى أهمية التزام إيران التعاون التام مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبراً أن البرنامج النووي الإيراني "لا يهدد أمن المنطقة واستقرارها فحسب، بل الأمن والاستقرار العالمي". وقال إن على إيران أن تلتزم جعل منطقة الشرق الأوسط، بما فيها الخليج العربي، خالية من أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية.

الدستور في مصر وتونس: انتصار مكلف لمرسي وتحدي السلفيين للنهضة

خرج الرئيس المصري، محمد مرسي، في 26 ديسمبر يهنئ المصريين بقبول الأغلبية للدستور المثير للجدل، وداعياً إياهم بالعمل من أجل توطيد الأمن والاستقرار. وجاء خطاب مرسي – بعد غياب دام نحو 3 أسابيع – عاكساً شعور مؤسسة الرئاسة المصرية وجماعة "الإخوان المسلمين" وقوى التيار الإسلامي بحجم كلفة الانتصار الصعب في الاستفتاء على الدستور، فقد اعترف الرئيس المصري بحدوث اخطأ وبضرورة التوافق والحوار واقراره بالاختلاف بين المصريين. فقد كان انتصار مرسي بتمرير الدستور مكلفاً سياسياً، حيث طوى المصريين بشكل واضح صفحة رئيس الثورة والتوافق خلال الاستفتاء الأخير.

وحصل الدستور على أغلبية 63.8% مقابل رفض 36.2%. وهي النسب التي عكست انقسام بين المدينة والريف وبين الوجهين البحري والقبلي وتصويت طائفي في جنوب مصر. فقد رفض أغلب ناخبي العاصمة القاهرة الدستور بنسبة بلغت 57% وحصل على نسب اقل من 50% في القلب الحضري لمحافظة الاسكندرية ولم تتجاوز نسبة الموافقة في مدينة بورسعيد 51%. في المقابل صوت نحو 45% من ناخبي محافظات الوجه البحري برفض الدستور مقابل تأييد أكثر من 82% في محافظات الوجه القبلي. وترجمت الأخيرة اتجاهات تصويتية طائفية مما جعل البعض يتحدث أن التصويت كان بمثابة إحصاء سكاني للنسب التقريبية للمسيحيين في صعيد مصر.

لقد ادركت السلطة الجديدة في مصر أنها أمام تناقضات بنيوية في المجتمع تحتم عليها البحث عن صيغة للتوافق، وهو ما حملته كلمات المرشد العام للإخوان محمد بديع بقوله " علينا جميعاً العمل معاً في بناء نهضة بلادنا رجالاً ونساءً مسلمين ومسيحيي". وترجمها مرسي في خطبته بقوله إن نتيجة الاستفتاء أظهرت أن "الحوار أصبح ضرورة لا بديل عنها نسعى جميعاً في إطاره للتوافق حول قضايا المرحلة المقبلة".

ولكن هذا الإدراك والحديث عن التوافق لم ينعكس في خطوات جادة نحو التوافق، حيث جاءت تعيينات مجلس الشورى (الغرفة الثانية بالبرلمان) معبرة عن اتجاه لمكافأة الفريق الذي وقف مع "الإخوان" لتمرير الدستور عبر الجمعية التأسيسية. واستمرار الحوار الوطني محصوراً على قوى متعاونة مع التيار الإسلامي.

وبالتوازي بدا أن مرحلة البحث عن المكاسب وتقسيم "الجائزة" بين أبناء التيار الإسلامي قد بدأت سريعاً بعد الانتهاء من عملية تمرير الدستور. فنجد أن ممثل حزب "الوسط" – المولود من رحم "الإخوان"- محمد محسوب يستقيل من منصبه كوزير للدولة للشؤون القانونية احتجاجاً على بقاء حكومة هشام قنديل. بالتوازي فإن حزب "النور" السلفي دخل في أزمة جديدة مع انشقاق رئيسه عماد عبد الغفور ومع مئات من الكوادر والتحالف مع القيادي السلفي الشهير حازم ابو إسماعيل لتشكيل حزب جديد باسم "الوطن".

وعلى صعيد المعارضة، فقد ظهرت إرهاصات على ارتباك واضح بشأن الموقف من الحوار الوطني ومن المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة – التي يتوقع أن تجرى خلال فبراير المقبل – حيث خرج بيان "جبهة الإنقاذ الوطني" تعليقاً على نتيجة الاستفتاء باهتاً بشكل ملحوظ متحدثاً عن بحث اجندة المستقبل في وقتها. ويشير بعض المراقبين إلى أن بقاء حزب "الوفد" وحزب "المؤتمر" بقيادة عمرو موسى في "الجبهة" أصبح صعباً مع ميل الحزبان للحوار مع "الإخوان". بالتوازي، ذكرت مصادر لـ"معهد العربية" إن أحزاب "الدستور، بقيادة محمد البرادعي و"التيار الشعبي" بزعامة حمدين صباحي و"المصري الديمقراطي" بقيادة محمد أبو الغار وحزب "المصريين الأحرار" دخلوا في مناقشات جادة لبحث الاندماج في تكتل واحد سياسي وانتخابي خلال الفترة المقبلة للضغط على الوفد والمؤتمر والحيلولة دون تقسيم التيار المدني خلال الانتخابات البرلمانية.

ولم يكن تحدي تمرير الدستور هو الوحيد الذي يضغط على السلطة الجديدة في مصر، حيث تفاقمت المصاعب الاقتصادية بعد تأجيل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بشأن قرض بنحو 4.8 مليار دولار أكثر من مرة. وتخفيض التصنيف الائتماني لمصر إلى "بي سالب" بسبب تصاعد الاستقطاب على الساحة السياسية. وانعكست الازمة الاقتصادية في تراجع قيمة الجنيه بحدة خلال الأسبوع الماضي مقابل الدولار.

وعلى هامش الاستقطاب السياسي والأزمة الاقتصادية الطاحنة، شهدت مصر جدلاً صاخباً عقب الكشف عن تصريحات للزعيم السلفي ياسر برهامي بشأن صفقة مع الأزهر بتمرير بقاء شيخ الأزهر في منصبه مقابل تمرير مادة تفسير المادة الثانية الخاصة بمبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع. وقال برهامي في فيديو سربه موقع "أنا السلفي" التابع للدعوة السلفية إنه "تم الاتفاق على إضافة نص بالدستور على عدم عزل شيخ الأزهر مقابل تمرير المادة الثانية الحاكمة للدستور والمنظمة للشريعة من قبل ممثلي الأزهر بالتأسيسية". وهي التصريحات التي دفعت الأزهر للرد السريع بأنه يرفض منطق الصفقات ولا "يلتفت للصغائر". وربما جاءت التصريحات ورد مؤسسة الأزهر لتعكس بداية معركة "مؤجلة" للتيار السلفي ضد الأزهر، حيث يسعى أبناء التيار السلفي وبدعم من "الإخوان" في الهيمنة على الأزهر في سياق معركة المؤسسات التي يتوقع ان تزداد حدتها خلال الأشهر المقبلة في مصر.

ومع مشاهد تصويت المصريين على الدستور المثير للجدل، كان الاستقطاب السياسي في تونس بين حزب "النهضة" الجناح السياسي للإخوان والقوى المدنية والعلمانية قد وصل إلى مرحلة جديدة. وبحسب مراقبون فإن المعركة ستشتعل مع بدء مناقشة مسودة الدستور الجديد في المجلس الوطني التأسيسي، حيث سيسعى كل طرف لتأكيد قدراته على الحشد خاصة مع ترجيح استطلاعات للرأي تراجع شعبية "النهضة" لصالح حزب "نداء تونس" العلماني . ولعل المفارقة التونسية أن التيار الذي سيأخذ ناصية الهجوم على الدستور هو التيار السلفي – على عكس الحالة المصرية- حيث إن هذا التيار يعتبر عدم النص على حكم الشريعة في الدستور بمثابة "خيانة" للمشروع الإسلامي ويعتبر أن "الإخوان" خانوا التيار الإسلامي بالاكتفاء بالنص على احترام المقدسات. و عدلت حركة النهضة عن المطالبة بتضمين الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد، واكتفت بالمحافظة على الفصل الأول من دستور 1959. ولعل المسألة الثانية التي تثير جدلاً في الدستور التونسي إقرار الحصانة القضائية لرئيس الدولة والتي تمنحه حصانة قضائية أثناء ممارسة مهامه كما ينتفع بها بعد انتهاء مباشرته مهامه بالنسبة للأفعال التي قام بها بمناسبة أدائه مهامه. وأثارت هذه المسألة ردود فعل رافضة لما تم اعتباره تمهيدا لتكريس "ديكتاتورية ناشئة" قد تصب لصالح الرئيس القادم من "النهضة".

سوريا: الإبراهيمي يبحث عن حل

عاد المبعوث العربي والدولي لخضر الإبراهيمي إلى سوريا الأسبوع الماضي في زيارة استمرت نحو أربعة أيام. وهي الزيارة التي حاول من خلالها الإبراهيمي الترويج لحل قائم على تشكيل حكومة وطنية انتقالية مع ضمان "خروج أمن" لبشار الأسد من السلطة. وواجه الإبراهيمي في مباحثاته رفض حاسم من قبل الأسد ونظامه الذي يواصل تعنته ورهانه على خيار الحسم العسكري في مواجهة المعارضة المسلحة بينما توافقت رؤى الإبراهيمي مع معارضة الداخل. وابرزت زيارة الإبراهيمي عدم وجود اطروحات جديدة لدى المبعوث العربي والدولي لحل الأزمة السورية، فيما تجمد الوضع ميدانياً بسبب الشتاء القارص.

فقد بدأ الإبراهيمي مباحثاته في دمشق في 24 ديسمبر بمباحثات مع الأسد اعقبها في 25 ديسمبر لقاء مع عدد من قيادات المعارضة في الداخل من ضمنهم المنسق العام لهيئة التنسيق الديمقراطي حسن عبد العظيم. وهي اللقاءات التي كان محورها الرئيسي تشكيل حكومة انتقالية مع عدم بقاء بشار الأسد في سدة الحكم. ويبدو ان الإبراهيمي تبنى وجهة نظر معارضة الداخل عبر دعوته في 28 ديسمبر إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية بـ "سلطات تنفيذية كاملة" إلى حين اجراء انتخابات جديدة في البلاد، مشيراً إلى أن حكومة كهذه "تتولى السلطة اثناء المرحلة الانتقالية" التي يجب أن تنتهي بانتخابات "اما أن تكون رئاسية إن اتفق ان النظام سيبقى رئاسياً كما هو الحال، أو انتخاب برلماناً ان تم الاتفاق ان النظام في سوريا يتغير الى نظام برلماني". بالتوازي نفي المبعوث العربي والدولي ما تردد بشأن مبادرة امريكية – روسية للحل.

إلى ذلك، اهتز نظام الأسد مع عودة عجلة الانشقاقات إلى الدوران من جديد بإعلان قائد الشرطة العسكرية السورية اللواء عبد العزيز جاسم الشلال في 24 ديسمبر انشقاقه وإعلانه صراحة فشل الجيش في حماية السوريين وتحوله إلى "عصابات للقتل". وهو الانشقاق الذي اعتبره مراقبون بمثابة تعبير واضح عن توقع العديد من المسؤوليين العسكريين السوريين قرب انتهاء النظام.

وعسكرياً، كان تقدم المعارضة المسلحة على الأرض بطيئاً نسبيا مع مواجهة "الجنرال ثلج" وبدء موجة صقيع قارصة في شمال سوريا. ورغم ذلك فقد اعلنت المجموعات المسلحة عن سيطرتها على مدينة حرم في محافظة إدلب (شمال شرق) في 23 ديسمبر. بالتوازي، واصلت قوات النظام قصف مدن الانتفاضة السورية وخاصة ريف دمشق.