الثورة السورية والطريق "الصعب" للأمم المتحدة

نشر في: آخر تحديث:

هيمنت تطورات الثورة السورية والصراع السياسي المشتعل في مصر كالعادة على الأجندة الإقليمية خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس. ففي هذا الأسبوع نجحت المعارضة السورية في تحقيق انتصار دبلوماسي هام بالجلوس على مقعد سوريا في القمة العربية ممهدة الطريق أمام الوصول إلى الأمم المتحدة وفتح الباب أمام معركة دبلوماسية عالمية حامية الوطيس قد تعيد تشكيل خريطة التوزانات بين القوى العالمية. بالتوازي، فإن حديث "الأصابع" المتكرر للرئيس المصري محمد مرسي حملت عدم قدرة النظام الحالي في التعاطي سياسياً مع الوضع المتوتر في مصر، بقدر ما حملت من "سخرية" طغت على مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج "التوك شو" التلفزيونية.


سوريا: معركة دمشق "الصعبة".. والطريق للأمم المتحدة


سارت الثورة السورية على أربعة مسارات رئيسية خلال الأسبوع المنصرم هي دخول المواجهات على خط دمشق واستبعاد التدخل العسكري المباشر لصالح سيناريو فرض منطقة حظر للطيران وحصول المعارضة على مكسب دبلوماسي جديد عبر الاستحواذ على مقعد سوريا في جامعة الدول العربية، وأخيراً استعادة المعارضة تماسكها التنظيمي – مؤقتاً- من خلال اقناع معاذ الخطيب بالتراجع عن استقالته من رئاسة الائتلاف المعارض.
هذه المسارات الأربعة صبت في صالح تقدم المعارضة دبلوماسياً، بينما تهدد معركة دمشق قوات الجيش السوري الحر بالغرق في مستنقع القتال في حيز ديموجرافي معادي والإنجراف إلى عمليات عسكرية تستهدف مدنيين وتضع التأييد الشعبي للثورة المسلحة بسبب عدم القدرة على السيطرة على المجموعات المتشددة داخل "الجيش الحر".


- معركة دمشق "الصعبة".. ومنطقة حظر الطيران


انتقلت ساحة المعارك الرئيسية بين المعارضة المسلحة وقوات نظام الأسد إلى دمشق خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس. وهي المعركة التي تحمل في طياتها مخاطر جمة للمعارضة بالتوازي مع الفرص التي حملها لحسم الصراع على السلطة.
وأبرز المخاطر التي تحملها معركة دمشق هي استغلالها من قبل النظام السوري في تشويه المعارضة المسلحة واضعاف التأييد الجماهيري لها من خلال سقوط مدنيين ضحايا في عمليات "منفلتة" والذي يتقاطع مع كونها معركة في محيط غير موات بسبب وجود مجموعات سكانية ضخمة من العلويين والاقليات وغيرهم لم تخرج عن التحالف مع النظام في العاصمة السورية.


وكان الحدث الابرز في معركة دمشق خلال الأيام الأخيرة هو مقتل 15 طالباً في استهداف بقذائف هاون لكلية الهندسة المعمارية بجامعة دمشق. وهو الهجوم الذي اتهمت فيه الحكومة السورية الجيش السوري الحر بتنفيذه بهدف إغلاق الجامعة ذات التاريخ العريق وفي مؤشر على "ظلامية" الثوار. في المقابل، وفي ذلك الانتقادات الحادة شعبياً للهجوم نفى الجيش الحر مسئوليته عن الهجوم، متهماً النظام بتدبيره. ولكنه بالتوازي اكد على تكثيف الهجمات على دمشق- وخاصة في شمال شرق العاصمة - بعد تلقيه إمدادات جديدة من الأسلحة.


ومع اشتعال المعارك خلال الأسبوع الماضي ومقتل أكثر من 800 سوري على الاقل، تزايدت المخاوف الغربية من سقوط الأسلحة في ايدي متشددين داخل المعارضة المسلحة. وهي المخاوف التي عبر عنها الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند صراحة بتشديده على ضرورة توافر ضمانات تكفل عدم تسلم ما سماها عناصر ذات صلات إرهابية في صفوف المعارضة السورية أي أسلحة قد تُرسل إلى مقاتلي المعارضة، بعد نهاية الحظر الأوروبي المفروض في هذا الشأن خلال مايو المقبل.


وهي التفاعلات التي جاءت في سياق تراجع واضح لفرص التدخل العسكري، حيث قال آندرز فوغ راسموسن، الامين العام لحلف الأطلسي، إن الحلف لا يعتزم التدخل عسكريا في سوريا. وايد هذا الموقف الامين العام السابق للامم المتحدة كوفي عنان الذي شدد على أن "أوان التدخل العسكري قد فات".


ولعل هذا الحديث يتزامن مع مخاوف غربية علنية بشأن استخدام أطراف للأسلحة الكيماوية في سوريا. وطالب خبراء غربيون بضرورة التريث في عملية التسليح لحين الانتهاء من التحقيقات بشأن الاسلحة الكيماوية التي يقودها العالم السويدي آكي سيلستروم.


وفي مقابل تراجع فرص التدخل العسكري، عاد من جديد الحديث بجدية عن إمكانية فرض منطقة حظر جوي شمال سوريا. وهو الحديث الذي جاء على لسان الجنرال النرويجي روبرت مود، الذي ترأس قوة المراقبة التابعة للأمم المتحدة في سورياو بقوله "إن الأوان قد آن للتفكير في فرض منطقة حظر طيران في الأجواء السورية". وبرر مود هذا الاقتراح بضرورة تغيير ميزان القوى في سوريا لصالح المعارضة عبر تطبيق الحظر الجوي من خلال تفعيل بطاريات صواريخ "باتريوت" الموجودة في تركيا.


بالتوازي، انتقد زعيم المعارضة السورية معاذ الخطيب رفض حلف شمال الأطلسي دعم المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة في شمال سوريا باستخدام صواريخ باتريوت. واعتبر الخطيب أن هذا الرفض يبعث برسالة لحكومة بشار الأسد مفادها أنها تستطيع أن تفعل ما يحلو لها.
ويبدو من كافة التفاعلات المتعلقة بالتدخل العسكري وتسليح المعارضة والحديث عن مناطق الحظر الجوي أن السيناريو الليبي اصبح مستبعداً تماماً، حيث إن تدخل "الناتو" السريع في تعديل ميزان القوى لصالح المعارضة الليبية جاء في لحظة دولية استثنائية وفي ظل وجود مصالح "نفطية" أوروبية واضحة تدعم خيار الحسم السريع وهو غير المتوفر في الوضع السوري، بالإضافة إلى تعقد المشهد الاقليمي والدولي بشأن سوريا بشكل يجعل التدخل العسكري بمثابة قرع جرس حرب اقليمية واسعة.


- الاستعداد لمعركة "الأمم المتحدة" الحاسمة


على الصعيد الدبلوماسي، مهد حصول المعارضة السورية على مقعد سوريا في جامعة الدول العربية وفتح أول سفاراتها في الدوحة الطريق أمام الاستعداد لمعركة السعي للحصول على المقعد السوري في الأمم المتحدة. وهي المعركة التي ستدلل على مدى التأييد الدولي للمعارضة وقوة الحلف الدولي المعارض لنظام بشار الأسد بقيادة أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج في مقابل حلف إيران وروسيا الداعم للنظام البعثي.


وهذه المعركة الدبلوماسية المحتملة ستتمثل - في حال نشوبها – أحد النقاط الفاصلة الجديدة في رسم الخطوط الفاصلة في خريطة التحالفات الدولية خلال العقود الأخيرة والتي ستترافق مع المعركة الدبلوماسية بشأن كوريا الشمالية. ويشير عدد من المحللين إلى أن هذه المعارك تدفع إلى تقوية الحلف الأمريكي الأوروبي في مواجهة المحور الروسي – الإيراني الذي يتلقى دعماً من الصين وعدد من دول أمريكا اللاتينية اليسارية.


وفي هذا السياق، افتتحت طهران مبكراً معركة الأمم المتحدة، محذرة عبر مندوبها في المنظمة الدولية محمد خزاعي من محاولات منح مقعد سوريا في الأمم المتحدة للمعارضة ومؤكداً أنه سيكون لهذه المحاولات "عواقب وخيمة". بالتوازي، تعهدت روسيا بمقاومة سعي المعارضة لهذه الخطوة، متوقعة فشلها بسبب الثقل الدبلوماسي لموسكو.


وانتقدت طهران صراحة النظام القطري لسماحه للمعارضة بفتح أول سفارة له في الدوحة، موجهة اتهاماً لقطر بتصعيد سفك الدماء في سوريا. وهي الاتهامات التي مثلت نقطة الذروة في الخلاف القطري الإيراني وانهاء لشهر عسل طويل بين الدوحة وإيران استمر لأكثر من عشر سنوات لينكسر على صخرة الثورة السورية.


وجاء هذه الانتقاد الحاد في ظل الاحتجاج العنيف من قبل دمشق وموسكو على منح المعارضة مقعد سوريا في جامعة الدول العربية خلال قمة الدوحة وهي الخطوة التي اعتبرتها موسكو بأنها انهت كافة الفرص للحلول السلمية للأزمة السورية. بالتوازي هاجمت دمشق بعنف أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي اعتبرت أنه انتهك ميثاق جامعة الدول العربية عبر دعوة قادة الائتلاف المعارض لشغل المقعد السوري.


وساهمت معركة مقعد جامعة الدول العربية، في تضييق الفجوة بين أطراف المعارضة السورية مؤقتاً والحيلولة دون تفككها تحت وطأة معركة اخيتار غسان هيتو رئيساً للحكومة المؤقتة في المناطق المحررة. وكان تلويح معاذ الخطيب باستقالته فاصلاً في هذا السياق، حيث أجبر حلفاء "الإخوان المسلمين" الإقليميين الذين ساندوا صعود هيتو على مد الخيوط سريعاً مع الأجنحة الليبرالية داخل المعارضة واعطاء الخطيب كلمة سوريا في القمة العربية.


وأشار محللون إلى أن يقول المخاوف من تفكك المعارضة في هذه اللحظة الحاسمة ستجبر "الإخوان" على قبول شروط الخطيب بتوسيع عضوية الائتلاف المعارض وضم المزيد من ممثلي المرأة والأجنحة الليبرالية والمعتدلين والاقليات بما فيها الاقلية العلوية.
ولعل الخطيب كان ماهراً في صياغة خطاب ضغط على الأطراف المنطوية تحت لواء المعارضة خلال كلمته بالقمة العربية، حيث شدد على رفض الوصاية على اختيارات الشعب السوري ومطالبته للولايات المتحدة صراحة بالتدخل لحماية المعارضة المسلحة في شمال سوريا.


مصر: النظام يهدد بـ"العصا" في الوقت الخطأ


لوح الرئيس المصري محمد مرسي ثلاث مرات خلال أسبوع واحد بقطع "الأصابع" التي تسعى للتدخل ضد حكم الإخوان المسلمين في مصر. وهي التهديدات التي حملت معها مؤشرات على فقدان النظام الحالي قدراته على السيطرة تحت ضغط ارتفاع سقف المعارضة وتذمر قواعد "الإخوان" من ازدياد النقد للجماعة والتظاهر أمام مقرها في المقطم.

وتلا تهديدات محمد مرسي سيل من توجيه الاتهامات للمعارضة بالتخريب والقبض على عدد من النشطاء السياسيين في القاهرة والأسكندرية ابرزهم حمدي الفخراني النائب السابق في البرلمان، بالإضافة إلى استدعاء الإعلامي الساخر الشهير باسم يوسف للنيابة بتهمة ازدراء الدين الإسلامي وإهانة الرئيس.

بالتوازي، مع تلويح النام المصري الهش بـ"العصا"، واجه أزمة جديدة مع السلطة القضائية مع الحكم بعدم قانونية عزل النائب العام السابق عبد المجيد محمود من منصبه وتعيين النائب العام الجديد المقرب من الإخوان طلعت إبراهيم. وهو الحكم الذي سعى النظام الالتفاف عليه بالطعن وعدم تنفيذه بزعم ان الدستور الذي اقره الاستفتاء الشعبي يتضمن عزل النائب العام السابق. واستغلت جماعة "الإخوان" حركات شبابية قصوية رفضت عودة النائب العام السابق بزعم أنه من نظام مبارك لاضفاء نوع من "الشرعية الثورية" على قرار الإبقاء على طلعت إبراهيم. في المقابل، دعت المعارضة إلى اختيار مجلس القضاء الأعلى نائب عام جديد للخروج من الأزمة القانونية والدستورية.

فنحن أمام مشهد متكرر من أزمات النظام المصري الإخواني مع المؤسسات التقليدية. والتي لم ينجح محمد مرسي– بعد 9 اشهر من توليه السلطة – في التعامل معها كفاءة بل خرج من كل الأزمات مخنث بالجراح التي ساهمت في تدهور شرعية الرئيس و"الإخوان" في الشارع المصري. بالتوازي، فإن خشية النظام من غضب القواعد "الإخوانية" جعلته في مواجهة علنية مع المعارضة المدنية والنشطاء السياسيين الذين دعوا إلى ثورة 25 يناير ومثلوا مركز قيادتها الرئيسي خلال الـ 18 يوماً من 25 يناير إلى 11 فبراير 2011.

وفي سياق هذه الأزمات يبدو تلويح محمد مرسي باستخدام "العصا" في مواجهة المعارضين بمثابة تصريحات للاستهلاك الداخلي "إخوانيا". فهذه التحذيرات لم تنجح في لجم تصعيد المعارضة والإعلام لخطاب النقد لمؤسسة الرئاسة بل وضعت المزيد من الزيت على النار المشتعلة بالفعل. وأشار محللون غربيون إلى أن تلويح مرسي باستخدام إجراءات استثنائية والتضحية بجزء من الشعب لصالح "الثورة" كانت سقطة جديدة من الرئيس المصري الذ لا يمتلك الأدوات لتنفيذ تهديداته في ظل استمرار غضب جهاز الشرطة من سياسات وزير الداخلية الجديد ورفض الأمن مواجهة المتظاهرين بالقوة بجانب اعلان المؤسسة العسكرية صراحة انحيازها للشعب ورفضها التدخل بأي شكل في الصراع السياسي الراهن.

وفي هذا السياق، اعرب عدد من المراقبين تعجبهم من قول مرسي إن "المحاولات التي تستهدف إظهار الدولة بمظهر الدولة الضعيفة هي محاولات فاشلة".. وإن "أجهزة الدولة تتعافى وتستطيع ردع أي متجاوز للقانون".

في وقت يبدو فيه للجميع أن مؤسسات الدولة خرجت عن سيطرة مؤسسة الرئاسة سواء عبر بيانات هذه المؤسسات أو تصرفاتها على أرض الواقع خلال الصدامات التي تحدث بين المجموعات الإخوانية والمجموعات المدنية. ويبدو أن التهديد باعتقال عدد من قيادات المعارضة بمثابة "دخان بلا نار"، حيث إن هذا الإجراء قد يدفع لقلب الطاولة على السلطة "الإخوانية" في اللحظة الراهنة ويقوض الدعم الأمريكي للرئيس المصري.