عاجل

البث المباشر

هكذا كاد وباء أن يفرغ دولة أوروبية من البشر

المصدر: العربية.نت – طه عبد الناصر رمضان

خلال القرن السابع عشر، كانت جزيرة مالطا (Malta) بعرض البحر الأبيض المتوسط على موعد مع أسوأ فتراتها، حيث شهدت المنطقة تفشي وباء الطاعون الذي حلّ بها قادماً من شمال إفريقيا على متن السفن التجارية، ليتسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا.

ففي يوم 24 كانون الأول/ديسمبر 1675، أصيبت الطفلة آنا بونيتشي (Anna Bonnici) البالغة من العمر 11 سنة بمرض غريب تميّز بظهور بقع حمراء وعقد لمفاوية على جسمها فارقت على إثره الحياة بعد أيام فقط. في يوم 28 من نفس الشهر، أخبر الطبيب والدها التاجر ماثيو بونيتشي (Matteo Bonnici) بالأمر دون أن يتمكن من تشخيص مرضها. ومع بداية العام الجديد، واصل هذا المرض الغريب تفشيه بهذه العائلة متسببا في وفاة مزيد من أفرادها وامتد خلال الأيام التالية ليشمل عددا من سكان العاصمة فاليتا (Valletta).

لوحة تجسد عددا من المصابين بالطاعون بالقرون السابقة لوحة تجسد عددا من المصابين بالطاعون بالقرون السابقة

وأمام هذا الوضع، اجتمعت الهيئة الصحية بالمدينة وشخّصوا المرض أواخر شهر يناير 1676 على أنه الطاعون. وبينما تحدّث البعض عن قدومه عن طريق السفن الإنجليزية التي لاحقت القراصنة العثمانيين بالبحر المتوسط، أكدت أغلب المصادر قدوم المرض من شمال إفريقيا حيث تحدّث كثيرون عن حصول التاجر ماثيو بونيتشي على شحنة أقمشة قادمة من طرابلس. وتزامنا مع نقلها لهذه البضاعة، نقلت السفن ضيفا آخر غير مرغوب فيه لم يكن سوى الفئران التي حملت معها الطاعون.

مع تسجيل حالات إضافية خارج مدينة فاليتا مطلع شهر آذار/مارس 1676، عمد العديد من المالطيين لمغادرة المدن نحو الغابات كما لجأ البعض للفرار خارج البلاد وتوجهوا في الغالب نحو تونس والمدن الإيطالية. من جهة ثانية، لم تأبه الأغلبية بوباء الطاعون فواصلوا حياتهم بشكل عادي وساهموا بذلك في ظهور مزيد من الحالات وارتفاع عدد الوفيات.

لوحة تجسد ميناء فاليتا الذي سجل العديد من حالات الطاعون مع بداية تفشي الوباء لوحة تجسد ميناء فاليتا الذي سجل العديد من حالات الطاعون مع بداية تفشي الوباء

إلى ذلك، جاءت الإجراءات الصحية متأخرة نوعا ما في بادئ الأمر احتار خبراء الصحة بالجزيرة حول إمكانية إعلان المرض الذي تم تسجيله وباء. لكن مع ارتفاع أعداد الوفيات وإصابة عدد من المسؤولين به، اتجهت السلطات لاتخاذ إجراءات عاجلة فتم تقليص حركة الأهالي كما أجبر سكان الأحياء الموبوءة بفاليتا على ملازمة بيوتهم وتكفّل المسؤولون بتزويدهم بالغذاء وفرضت قوانين أجبرت الحلاقين على عدم ممارسة مهامهم وتوعدت بإعدام السارقين وكل من يتستر على شخص مريض بالمدينة.

ومع تواصل تفشي الطاعون وارتفاع عدد الوفيات، سنّت سلطات مالطا قرارات أخرى فأغلقت دور العبادة وشيدت الحواجز بين الأحياء ووسعت المستشفيات التي استقبلت يوميا مزيدا من المرضى الذين تكدّسوا بغرفها كما خصصت مناطق معينة جمّعت بها جثث المتوفين لدفنها بمقابر جماعية. لاحقا، اتجه رهبان فرسان مالطا لطلب المساعدة لمواجهة الطاعون فأرسلت لهم كل من مرسيليا ونابولي عددا من الأطباء والجراحين. وبالتزامن مع إعلان كامل مالطا منطقة موبوءة، فرض أواخر شهر أيار/مايو حظر شامل للتجول بالجزيرة.

رسم تخيلي لخريطة مالطا بالقرن 17 رسم تخيلي لخريطة مالطا بالقرن 17

استمر الطاعون بمالطا حوالي 8 أشهر حيث أعلن عن آخر إصابة بالمرض يوم 30 آب/أغسطس 1676. وخلال أيلول/سبتمبر من نفس السنة، احتفل الأهالي بزوال الطاعون وعودة الحياة عن طريق إزالة الحواجز وقرع الأجراس وإطلاق قذائف مدفعية. إلى ذلك، تسبب هذا الوباء في وفاة نحو سدس سكان مالطا حيث فارق ما يزيد عن 11 ألفا مالطي الحياة من ضمن سكان الجزيرة المقدر عددهم بحوالي 60 ألف نسمة قبل بداية الوباء.

إعلانات

الأكثر قراءة