في انتظار أوباما

عوني صادق

نشر في: آخر تحديث:

عام كامل والعالم كله ينتظر نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، البعض لم يكن أمامه إلا أن ينتظر، والبعض الآخر كان ينتظر، ولكن من دون أن يوقف عجلة مشاريعه، أو تنفيذ مخططاته إلى ظهور النتيجة . أكثر المنتظرين كانوا في منطقتنا العربية، أما في منطقة “الشرق الأوسط” عموماً، فكانت هناك عاصمتان، دخلتا، مباشرة أو غير مباشرة، على خط انتخابات الرئاسة الأمريكية، تنتظران وتجهدان، في الوقت نفسه، ما وسعهما الجهد للاستفادة من “الوقت الضائع”، هما: “تل أبيب” وطهران .

ومثلما كانت زيارة أوباما الأولى في بداية ولايته الأولى إلى “الشرق الأوسط”، تأتي زيارته الأولى في بداية ولايته الثانية، التي تقرر أن تكون في 20 مارس/ آذار المقبل، ولكن مع اختلاف واضح في لغة الخطاب، وجهة التوجه . ففي الأولى بدأ أوباما بالسعودية، ووصل إلى القاهرة ليلقي خطاباً في جامعتها خلق أوهاماً كفت المنتظرين مؤونة الانتظار مدة سنتين، ومتجاوزاً، بل متجاهلاً، “تل أبيب” . أما في الثانية، فسيبدأ في “تل أبيب”، يسبقه تجديد التزامه ب”أمن إسرائيل”، وتأكيد تحالفه الاستراتيجي معها، في محاولة “لإصلاح” ما أفسده في الولاية الأولى، كما رأى ذلك معلق “إسرائيلي” في صحيفة “إسرائيلية” .

وعلى الطريقة المعتادة في تعاملها مع رب نعمتها وحاميها الأمريكي، سارعت الحكومة “الإسرائيلية” ورئيسها المكلف، بنيامين نتنياهو، إلى ترتيب الأفكار التي يتوجب على الزائر الكبير أن يلتزم بها في زيارته . فمن جهة، استبقت وزارة الحرب “الإسرائيلية” الزيارة بإقرار مخطط لتوسيع مستوطنة “بيت إيل”، بالقرب من رام الله، ببناء (90) وحدة استيطانية جديدة . وجاء إقرار هذا المخطط بعد يوم واحد من إعطاء الضوء الأخضر لوضع التصميمات الخاصة ببناء (643) وحدة جديدة في مستوطنتي (نيكوديم) و(تقوع)، بالقرب من بيت لحم .

ومن جهة أخرى، جدد نتنياهو، في خطاب ألقاه أمام المنظمات اليهودية الأمريكية عقد يوم 11 فبراير/شباط في القدس المحتلة، التزامه بما جاء في خطابه في جامعة بار إيلان بعد فوزه في انتخابات ،2009 والذي تحدث فيه عن حل “دولتين لشعبين”، حيث قال: “إنني ملتزم بخطاب بار إيلان الذي تحدثت فيه عن دولتين لشعبين”، لكنه أضاف: “في السنوات الأربع الماضية، جاء الفلسطينيون إلى المفاوضات مع العديد من الشروط المسبقة، ويجب البدء من جديد من دون شروط مسبقة”! وهكذا كما نسف نتنياهو “حل الدولتين” بعد خطاب بار إيلان من خلال السعار الاستيطاني الذي مارسه، ينسف اليوم التزامه الجديد بالحجة نفسها: شروط الفلسطينيين المسبقة”! وكان نتنياهو قد حدد الموضوعات التي ستبحث في زيارة الرئيس الأمريكي إلى المنطقة على أنها “البرنامج النووي الإيراني وسوريا وعملية التسوية مع الفلسطينيين”، مضيفاً: إن الزيارة “تكتسي أهمية كبرى في حين تعيش المنطقة فترة من عدم الاستقرار” (الخليج 11-2-2013) .

وفي خطابه عن “حالة الاتحاد” الذي أعلن فيه عن زيارته المقبلة إلى المنطقة، قال أوباما إن رسالته التي سيحملها في زيارته هي “وقوفه إلى جانب “إسرائيل” في سعيها إلى الأمن والسلام الدائم”، في وقت سقطت فيه “عملية السلام” من خطابه . لكن بعض المصادر “الإسرائيلية” رأى أن أوباما يريد “إغلاق الملفات المفتوحة في الشرق الأوسط”، وأن ذلك غير ممكن قبل إغلاق الملف “الإسرائيلي” الفلسطيني، الذي يعد مفتاح إغلاق الملفين الإيراني والسوري (أليكس فيكشمان/ “يديعوت” 12-2-2013) . وتوقع آخرون أن يهدد أوباما نتنياهو ب”عقوبات أوروبية” إن واصلت حكومته سياستها مع الفلسطينيين .

لكن “سياسة الانكفاء وعدم التدخل المباشر” التي يرى كثيرون أن أوباما سار عليها في ولايته الأولى، ويبدو أنه سيستقر عليها في ولايته الثانية، تترك مجالاً لوجهة النظر “الإسرائيلية” القائلة إنّ أوباما جاء لهدفين رئيسين، كلاهما يتصل بالسياسة “الإسرائيلية”، وهما: كبح جماح نتنياهو في الموضوع الإيراني، وتحسين علاقاته معه . وإذا كان هناك ما يشبه الإجماع “الإسرائيلي” ضد التعامل بشكل أحادي في الموضوع الإيراني، فهناك من يرى أنه منذ زيارة أوباما الأولى إلى المنطقة وخطاب القاهرة “تغيرت المنطقة تماماً، وأصبحت بحراً من عدم الاستقرار . بينما تبرز بكل أبهتها وقوتها جزيرة الاستقرار لدولة “إسرائيل”، الحليف ذي المصداقية والقوي الوحيد للولايات المتحدة في المنطقة . .” (عاموس جلبواع/ “معاريف” 10-2-2013) . لكن هذا الاستقرار في رأي البروفيسور أبراهام بن تسفي يرتبط بالملف الفلسطيني، وهو إذ يرى أن قرار أوباما بأن يشمل “تل أبيب” في جولته يشير إلى “الدور المخصص ل”إسرائيل” في المخطط الذي أخذ يتشكل . وعلى خلفية عدم الاستقرار المتواصل في محيط “إسرائيل” القريب، تريد واشنطن أن تؤكد أهمية هدف الحفاظ على الاستقرار في المجال “الإسرائيلي” الفلسطيني”، (“إسرائيل اليوم” 7-2-2013) .

وإذا بدا “أوباما الإسرائيلي” مثل روبن هود، فإن “أوباما العربي” يظل “غودو الذي لا يأتي”، سواء في ولايته الأولى، أو كما يبدو أنه سيكون في ولايته الثانية . فمع أنه أصبح واضحاً أن أوباما لم، ولن يفعل شيئاً للذين انتظروه وراهنوا عليه، وأنه هو أيضاً كان، بالنسبة إليهم مثلهم من المنتظرين، ليقف في نهاية الأمر مع الرابح منهم، إلا أن هناك من يرى أن في زيارته المقبلة “شيئاً” يعطيه لهم، وهو “طمأنتهم” بأن الولايات المتحدة ليست في وارد الانسحاب من المنطقة، وأنها لن تتخلى عنهم، وإن تغيرت بنود في استراتيجيتها إزاء المنطقة . وهذا عندما يصدق، يكون الهدف منه هو الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة، وليس عدم التخلي عن أولئك الحلفاء .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.