أزمة شبه الجزيرة الكورية.. وبداية التفاوض

كوريا الشمالية توجه إنذاراً إلى سيول وتهدد بشن هجوم مسلح من دون تحذير

نشر في: آخر تحديث:

وجهت حكومة كوريا الشمالية مؤخراً إنذاراً إلى سيول، تهدد فيه ببدء هجوم مسلح من دون تحذير، في حال استمرار المظاهرات التي تندد بسياسات بيونغ يانغ. واعتبرت قيادة كوريا الشمالية أن علاقاتها مع حكومة سيول قد وصلت إلى مرحلة حالة حرب، ما يسمح لها بالرد على الاستفزازات المعادية والأعمال الإجرامية التي تمس كرامة القيادة العليا لكوريا الشمالية.

وكانت كوريا الشمالية قد أنجزت استعداداتها لإطلاق صاروخ بالستي متوسط المدى، أعلنت في وقت سابق عن أنها تنوي إطلاقه في إطار خططها لإجراء رابع تجرية نووية، فيما أكد وزير خارجية كوريا الجنوبية أنه لم تسجل في كوريا الشمالية مظاهر الاستعداد لشن حرب شاملة. وكانت مراكز استكشاف تابعة لوزارة الدفاع في كوريا الجنوبية قد رصدت ازدياداً في تحركات العاملين والعربات حول النفق الجنوبي في ميدان بونغيري للتجارب النووية.

موسكو من جانبها أعربت عن قلقها إزاء التوتر المتصاعد في شبه الجزيرة الكورية التي تمثلت في إعلان الزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ أون عن إصداره أوامر بضرب القواعد الأميركية الواقعة على أراضي كوريا الجنوبية وفي جزر هاواي وغوام وفي اليابان، رداً على أي "استفزازات" محتملة من قبل واشنطن. واعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن كارثة "تشيرنوبل "قد تبدو حادثة بسيطة في حال تصاعد النزاع في كوريا الشمالية، وأعرب عن قلق بلاده من تصعيد التوتر في شبه الجزيرة الكورية، معتبراً أن هذا التهديد قائم وواقعي. ودعا إلى ضبط النفس، وحل القضايا المتراكمة على مدى سنوات طويلة عبر المفاوضات السلمية.

حلول الأزمة ما زالت قائمة

فيما أعرب دميتري روجوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي، عن قناعته بأن الوسائل السياسية والدبلوماسية لتسوية الأزمة في شبه الجزيرة الكورية لم تستنفد بعد، ويمكن تجاوز مرحلة التوتر عبر البدء الفوري بحوار سلمي بين أطراف الأزمة.

وتجدر الإشارة إلى أن تصاعد التوتر في شبه الجزيرة الكورية، الذي ينذر باشتعال حرب نووية، يأتي بعد أقل من ثلاث سنوات خيمت خلالها حالة من الهدوء الحذر والترقب على المنطقة. منذ القصف المتبادل بين بيونغ يانغ وسيول عام 2010، الذي بدأ بقصف مدفعية كوريا الشمالية لجزيرة يونبيونغ في المنطقة منزوعة السلاح، والذي اعتبره المراقبون حدثاً غير مفاجئ بكل المعايير، لأن هذا الصدام ليس جديداً بالنسبة للمنطقة، التي تعيش حالة التوتر طالما تخللها تبادل نيران بين البلدين منذ سنوات طويلة. ورجح العديد من المراقبين أن يكون سبب لجوء بيونغ يانغ للتصعيد ضد جارتها الجنوبية محاولة جديدة من المؤسسة العسكرية الشمالية لحسم صراع بينها وبين الإصلاحيين في كوريا الشمالية، الذين يدعون إلى ضرورة اعتماد الليبرالية السياسية واجتذاب الاستثمارات الأجنبية.

ويصعب القول إن الوضع قد تغير كثيراً بعد ثلاث سنوات، لأن كوريا الشمالية التي تحولت من بلد إلى معسكر، والتي يعتبر جيشها من أقوى 5 جيوش في العالم، لا بد أن تكون مصدر قلق لكوريا الجنوبية، لكن ترسانة أسلحة كوريا الشمالية غير قادرة على تهديد أمن الولايات المتحدة، لأن ما تسميه كوريا الشمالية القوات الصاروخية الاستراتيجية، هو عبارة عن مجموعة صواريخ من أنواع مختلفة، منها نظم KN-02 "سكود"، "رودونج"، "تايبودونغ"، "موسودان" وKN-08 هذه المجموعة من الصواريخ يتراوح مداها من 100 إلى 5500 كلم. بالنسبة للمدفعية بعيدة المدى فيتوافر لدى بيونغ يانغ مدفعية بعيدة المدى لا يزيد مداها على 60 كلم، وقاذفة صواريخ متعددة عيار 240 مم. وتواجه القوات الكورية الشمالية مشكلة في تجارب إطلاق الصواريخ البالستية وتثبيت الرؤوس النووية عليها، والتي لم تنفذ حتى الآن تجربة ناجحة، ما يجعل تهديداتها ذات طابع استعراضي، لكنها تشكل تهديداً جاداً لجارتها الجنوبية.

سياسة واشنطن

ويرى فريق من المراقبين أن سياسة عزل كوريا الشمالية التي تبنتها واشنطن مع تولي جورج بوش رئاسة الولايات المتحدة مع بداية الألفية الثالثة، لعبت دوراً في تنامي النزعة العسكرية لدى نظام بيونغ يانغ، حيث اعتبر البيت الأبيض كوريا الشمالية من دول محور الشر، وفرضت واشنطن آنذاك عقوبات اقتصادية على بيونغ يانغ، فكان رد كوريا الشمالية بمواصلة برنامجها لتخصيب اليورانيوم. ومنذ تولي الرئيس الكوري السابق لي ميونغ باك منصبه، انتهج سياسة تستهدف الضغط على اقتصاد كوريا الشمالية، من أجل لجم نزعاتها العسكرية، حيث خفضت سيول التجارة مع كوريا الشمالية. وبعد أن كانت أكثر من 200 شركة كورية جنوبية تتعاون مع كوريا الشمالية في مجال التجارة، وبلغ إجمالي حجم التبادل التجاري في هذا المجال 254 مليون دولار، ونفذت العديد من المشاريع الاقتصادية المشتركة، منها منطقة كيون سانغ السياحية، ومنطقة كيسونسك الصناعية، وربط السكك الحديدية وطرق الشمال والجنوب على الساحلين الشرقي والغربي، توقفت بشكل كامل تقريباً كل هذه العلاقات، واشترط لي ميونغ باك لاستئنافها تسوية المشكلة النووية.

ويرى العديد من المحللين أن تفاقم الوضع الداخلي في كوريا الشمالية نتيجة الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها، جعل المؤسسة العسكرية تلجأ لسياسة التهديد والوعيد، على أمل إجبار الغرب وجارتها الجنوبية، على التراجع عن سياسة العزل والحصار، لكن العديد من الباحثين يحذرون من تنامي النزعة العسكرية الشمالية التي تسيطر على نظام الحكم في بيونغ يانغ، باعتبار أنها تنذر بإمكانية إشعال صدامات مسلحة تهدد أمن المنطقة، إضافة إلى أن هذه النزعة العسكرية تعيق الانتقال بشبه الجزيرة الكورية إلى مرحلة توسع الاستثمارات في مختلف أقاليمها، بسبب مخاطر الحرب والصدام العسكري الدائم، وتزيد من أزماتها الاقتصادية.

برنامج بناء الثقة

وحرصت الرئيسة الكورية الجنوبية الجديدة، بارك جيون هاي، منذ توليها منصب الرئاسة على تقديم برنامج بناء الثقة في شبه الجزيرة الكورية، ليكون السبيل لإقناع الشمال بالتخلي عن نزعاته العسكرية ومشاريع تطوير ترسانته النووية، وصولاً إلى إعلان شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية.

ويصعب القول إن لهجة واشنطن الهادئة والحازمة في التعامل مع تصعيد بيونغ يانغ، والتي تجسدت في تصريحات وزير الخارجية كيري، كفيلة بزع فتيل الأزمة. كيري أعرب عن استعداد بلاده للتواصل مع بيونغ يانغ في الوقت المناسب وبالظروف المناسبة، داعياً كوريا الشمالية إلى القيام بخطوات للتخلي عن برنامجها النووي. وأشار إلى أن واشنطن ستقوم بنشر وسائل للدفاع الصاروخي في الإقليم لمواجهة الأخطار القادمة من كوريا الشمالية، وفي حال زوال هذه الأخطار بإخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي، فإن بلاده ستتراجع عن هذه الإجراءات. وأكد الوزير الأميركي أن الولايات المتحدة ستحمي حلفاءها الآسيويين من أي أعمال استفزازية من جانب كوريا الشمالية، مع تمسكها بضرورة إيجاد حل سلمي للوضع المتوتر في المنطقة.

وتعتقد موسكو أن سياسات واشنطن في احتواء أزمة شبه الجزيرة الكورية عاجزة عن تسوية الخلاف بين البلدين، لأن واشنطن منذ البداية انحازت ضد بيونغ يانغ، ما يجعلها طرفاً في الصراع. ودعت الخارجية الروسية إلى تفعيل السداسية التى تعمل على رأب الصدع بين بيونغ يانغ وسيول منذ أكثر من 6 أعوام، لبحث تفاهمات تؤسس على بيان بيونغ يانغ وسيول المشترك الصادر عام 1992 حول إخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي، باعتبار أن عزل كوريا الشمالية واستفزازها عسكرياً لن يؤدي لتسوية الأزمة، وإنما فتح قنوات الحوار هو السبيل لإنهاء أزمة شبه الجزيرة الكورية وإخلائها من السلاح النووي.