من الصندوق إلى الاستبداد . . التجربة التركية

جميل مطر

نشر في: آخر تحديث:

آخر تحديث:الخميس ,13/06/2013



أبدأ من “الآخر” . لقد اهتزت مكانة السيد أردوغان والاحتمال كبير أن يحتاج حزب العدالة والتنمية إلى وقت غير قصير ليستعيد للمكانة المهتزة استقرارها، ويمحو التشوه الذي لحق بصورة تركيا في الخارج .

ما حدث لصورة تركيا كان من الممكن تفاديه لو أن احتجاجات ميدان “تقسيم” تواصلت على نحو معتدل والتزمت هدفها الأصلي وهو وقف اقتلاع الأشجار، أو لو كانت الحشود أقل غضباً، أو كان رد فعل السلطة مع المتظاهرين أقل عنفاً . ما كان يحدث لمكانة تركيا وصورتها ما حدث لو لم يكن لتطورات الموقف في اسطنبول وإزمير وأنقرة وغيرها من مدن تركيا وقع المفاجأة في الداخل كما في الخارج . لم يكن متوقعاً أن تتكرر في ميادين تركيا وشوارعها مشاهد جرت قبل عامين في جادة الحبيب بورقيبة وميدان التحرير وساحة الشهداء في اليمن .

لم تكن تطورات تركيا متوقعة لاختلاف الظروف في الحالة التركية عن الظروف في الحالات العربية . أولاً: جرت في تركيا ثلاث انتخابات نيابية نظيفة، لم تجر مثلها في أي من الدول العربية . ثانياً: قدمت تركيا خلال العقدين الأخيرين نموذجاً نادراً في الأداء الاقتصادي المتميز في إقليم لم تحظَ دولة عربية أو آسيوية فيه، باستثناء ماليزيا، على تقدير مماثل . ثالثاً: تجاوزت تركيا، كدولة إسلامية وشرق أوسطية، كل الأعراف السائدة في الإقليم حين نجحت في إخراج المؤسسة العسكرية من حلبة السياسة، بعد قرون من هيمنة التقاليد والقواعد والامتيازات العسكرية .

هكذا استطاعت تركيا أن تطرح نفسها أمام أمريكا كقصة نجاح لليبرالية الاقتصادية في زمن عزّ فيه هذا النجاح وسادت أجواء الفشل والأزمات في معظم الاقتصادات الغربية . كذلك طرحت نفسها أمام أوروبا نموذجاً لائتلاف الديمقراطية والإسلام في نظام يرتدي رداء “العلمانية” بمفهومها الأوروبي، وينفذ تعاليم منتقاة من العقيدة الإسلامية بمفهوم العثمانية الجديدة . استطاعت في الوقت نفسه أن تطرح نفسها أمام شعوب العالم العربي نموذجاً لنظام إسلامي أقرب إليهم من تجارب ماليزيا وإندونيسيا وإيران، ونموذجاً لدولة شرق أوسطية تمكنت من أن تخاطب “إسرائيل” بلهجة مختلفة شيئاً ما، وأن يكون لها رأي مختلف عن رأي أمريكا في مسائل حيوية مثل قبرص والعراق .

ومع ذلك لم يتوحد العرب على رأي في النموذج الإسلامي التركي . اختلفوا بين من اعتقد بسعادة بالغة وبين من اعتقد بتعاسة أيضاً بالغة، أن هذا النموذج يؤذن بعودة الخلافة العثمانية في شكل جديد، واختلفوا بين من تصوره حليفاً محتملاً عندما تحين ساعة إعلان حرب الطوائف العظمى في الشرق الأوسط، وبين من تصوره خصماً شديد البأس عندما تحين ساعة الجهاد ضد “الكفار” . أطراف أخرى راح خيالها الجامح يصور لها أردوغان ممتطياً حصاناً يطير به من أنقرة إلى القدس ليدخلها فاتحاً .

لم نكن غافلين عن أحوال تركيا عندما سمحنا بأن يسود بيننا الاقتناع بأن الأتراك يعيشون حالة رضا في ظل حكم الحزب الإسلامي . فقد وقع أكثر من تطور كان أحدها كافياً، لو وقع في دولة أخرى، في أن يتسبب في نشوب احتجاجات صارخة . حدث مثلاً أن أسقط السوريون طائرة عسكرية تركية ولم يتحرك الأتراك، ووقعت مذبحة في قرية الريحانية على حدود تركيا الجنوبية ولم يتحرك الأتراك . تعددت الإجراءات التي تقيد حريات فئات بعينها أو أسلوب حياة فئات أخرى، كلها كانت في اتجاه مجتمع يجب أن يكون متزمتاً، ولم يحتج الأتراك .

حدث أيضاً أن تعرض سفير تركيا في “إسرائيل” لإهانة متعمدة . أذكر أنني حين شاهدته في وضعه المهين في الخارجية “الإسرائيلية”، تصورت أن الأتراك، كشعب عنيد يعتز بكرامته ووطنيته، لن يسكتوا . ولكن سكتوا وسكنوا ولم يتحركوا . وعندما تدخل الجيش في مناطق شرقي تركيا وسقط المئات من الضحايا بسبب غارات جوية لم يتحرك بقية الأتراك دفاعاً عن مواطنيهم من المدنيين الأكراد . صور عديدة من هذا القبيل كانت توحي بأن الرضا الشعبي على حكومة حزب العدالة والتنمية كامل ومتعمق ويبشر بسنوات طويلة من الاستقرار وفوز محقق في الانتخابات المقبلة، بل وقبول بتعديل الدستور لمصلحة صعود أردوغان إلى منصب رئاسة الجمهورية مزوداً بسلطات استثنائية واسعة .

في ظل مظاهر الرضاء الكاسح وقعنا في حيرة البحث عن تفسير مناسب لنشوب احتجاج شعبي عارم ضد قرار الحكومة تغيير معالم ساحة “تقسيم” باقتلاع أشجار وإزالة بقع خضراء في حديقة عامة، وإقامة مجمع استهلاكي ضخم وإلى جانبه مجمع ثقافي إسلامي . قيل، ضمن ما قيل في بداية الأمر، إن الحرص على سلامة البيئة دفع بالشباب إلى غزو ساحة “تقسيم” للاحتجاج، قبل أن يتضح أن الشباب غاضب لأسباب أكثر، وقبل أن يكتشف القاصي والداني أن في أداء أردوغان وحكومته سلبيات لم تكن ظاهرة للعيان .

قيل وقيل الكثير . قيل مثلاً إن صراعاً كان مستتراً وصار معلناً نشب داخل الطبقة الوسطى التركية . وفي تعبير آخر تردد أن الصراع هو في الحقيقة بين “طبقتين من الوسط”، طبقة قديمة اعتمدت عليها المؤسسة العسكرية وحكومات ما قبل العدالة والتنمية، وطبقة جديدة تمثل المصالح “الإسلامية” في الاقتصاد التركي الجديد، وهي الطبقة التي مولت مسيرة حزب العدالة والتنمية نحو السلطة .

يكتبون أيضاً، ويتحدثون، عن فساد حزبي وشخصي ذي أبعاد واسعة . يحكون ويتحاكون عن ثروات صارت في حوزة عائلة أردوغان، وثروات في حوزته الخاصة في مصارف أجنبية، وعن ثلاث عشرة قضية فساد مرفوعة في المحاكم ضد أردوغان منذ كان عمدة لاسطنبول ولم تصدر أحكام فيها لاحتمائه بحصانة برلمانية . قيل أيضاً إن قطاعاً كبيراً في قيادات البيروقراطية جرى تعيين أعضائه بالمحسوبية، وإن فئات من الذين يطلق عليهم “مجاهدو الماضي القريب” وهم من رجال أعمال “إسلاميي” التوجه والتنظيم، أصبحوا يحصلون على امتيازات فوق العادة .

قيل إن العالم الغربي وبخاصة المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية اشتركت في حملة المبالغة في تلميع صورة الأداء الاقتصادي لتركيا في ظل حكومة أردوغان بتلميح غير خافٍ إلى أن هذا التلميع يتصادف مع حملات الغرب الدبلوماسية لتشجيع وصول الإسلاميين إلى الحكم في دول الربيع العربي .

يتردد الآن أن كثيراً من مظاهر الأداء الرفيع للاقتصاد في عهد العدالة والتنمية كان مبالغاً فيه، أو أن الأداء تواضع فعلياً في الفترة الأخيرة . معروف مثلاً أن تركيا كانت تحتل المكانة الثانية بين الدول ذات النمو المرتفع حين تجاوزت نسبة 8%، هذه النسبة انخفضت مؤخراً إلى ما لايزيد على 2 .2% يضيفون إليها الديون الخارجية والداخلية التي تكلفتها جهود الأداء الاقتصادي المتميز .

كذلك يتصدر الأخطاء التي تقتطع من شعبية أردوغان سماحه بتدهور علاقاته مع العلويين الأتراك بدءاً باشتراكه في إدارة الصراع على سوريا، وانتهاء بسوء التقدير الذي صاحب قرار إطلاق اسم السلطان سليم على الجسر الثالث الذي تنوي الحكومة إقامته على مضيق البوسفور .

إضافة إلى ما سبق، جاءت ثورة الاحتجاجات في ميدان “تقسيم” فرصة لم يفوتها الإعلام الخارجي للتركيز على حال التردي الذي تدنت إليه حرية الصحافة في السنوات القليلة الماضية . لا يجادل الكثيرون في تركيا في مقولة إن تركيا تتصدر الدول التي تقمع الإعلاميين وتقيد حرية الصحافة . وكثيرون في الخارج أشاروا إلى موقف الإعلام التركي حين امتنعت صحف ومحطات فضائية محلية عن نشر صور أو معلومات عن تطورات الأحداث في ميدان تقسيم .

مرة أخرى يثور شعب، أو قطاع في شعب، في الشرق الأوسط لأن رجلاً في الحكم أو حزباً أو حكومة مارس الغطرسة وترك الفساد يصول ويجول . مرة أخرى خلال ثلاثة أعوام تُلقي حكومة على وسائط الاتصال الإلكترونية مسؤولية إشعال ثورة . مرة أخرى تعلن الجماهير وبأعلى صوت، إن “الديمقراطية ليست الصندوق” وترفض أن يكون “الصندوق” الطريق الجديد إلى الاستبداد والانفراد بالحكم .

مرة أخرى نسمع أن البديل لحزب إسلامي بقيادة أردوغان فصيل إسلامي آخر أقل اعتدالاً بقيادة فتح الله جوللين، وهو الفصيل ذو الجذور العميقة في المجتمع التركي والمنافس المنطقي، وعلى الأخص في غياب منافس من بين الأحزاب غير الدينية، وكلها تعاني ضعفاً وانقساماً شديدين .

هل تكون انتفاضة “تقسيم” خطوة متقدمة على الطريق نحو “شرق أوسط جديد”، هذه العبارة الممجوجة هنا في منطقتنا ولكن المفضلة وكثيرة التداول في أمريكا، وهي العبارة نفسها التي استخدمها قبل أيام وزير الدفاع الأمريكي في تعليق له على أحداث تركيا؟

أو تكون هذه “الانتفاضة” خطوة متقدمة على الطريق نحو تحرير الدين من السياسة، بعد أن تعرضت سمعة الدين لأضرار بالغة في كل الدول التي تولت الحكم فيها أحزاب إسلامية فشلت جميعها في التعامل، باسم الدين، مع مشكلات مجتمعاتها وشعوبها، وبوجه خاص مع مشكلات تتعلق بأمنها الخارجي وسلامة أوطانها وكفاءة إدارة علاقاتها الدولية؟

مرة أخرى نسأل السؤال الأهم في هذه المرحلة الدقيقة . ألم تكن إساءة إلى الإسلام وتجاوزاً غير لائق أن يستخدمه أفراد طامعون في السلطة ومتغطرسون في السلوك لتحقيق مصالحهم المادية وأطماعهم السياسية . . ثم يفشلون؟

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.