الغوغاء والربيع اللبناني

عبدالله إسكندر

نشر في: آخر تحديث:

يكاد عمر لبنان الكبير ان يبلغ قرناً من الزمن، من دون أن تتوصل مكونات بلد الأرز بعدُ إلى التوافق على القبول جميعاً بنظام سياسي ينبذ العنف بكل أشكاله. لقد انتزع كل من هذه المكونات في وقت أو آخر، حق الفيتو على عمل هذا النظام، ولم يمر عقد في عمر هذا النظام من دون أن يجري التعبير عن هذا «الحق» بالعنف.


أريدَ في النظم الحديثة أن تحتكر الدولة العنف والسلاح، لتتمكن من تنظيم تعايش المطالب المتضاربة وإدارة شؤون الناس. لكن النظام السياسي اللبناني حكمه العنف الأهلي، بما نزع عن الدولة اختصاصها الأساسي، وبات النظام برمته يخضع لتحولات ميزان القوى الأهلي. هكذا، وعلى امتداد التاريخ الحديث، فشل النظام السياسي في إيجاد أي حل لأزمة بين مكوناته، أو بين أحدها والدولة. ولم تتمكن كل التسويات والاتفاقات التي أبرمتها الطبقة السياسية من انتزاع «حق» الفيتو من أي من المكونات الطائفية. لقد أشار بعض النصوص إلى حل الميليشيات أو جمع السلاح، لكنه لم يسحب الاعتراف بعنف المكونات. وتفاقم هذا الوضع مع اتفاق الطائف، الذي نص على نحو شبه صريح على «حق» طرف أهلي واحد باستخدام السلاح، أي العنف، بغض النظر عن المبررات التي سيقت حينذاك لتسويق التسوية.

وظل هذا «الحق» الذي أعطي للشيعة اللبنانيين تحت اسم المقاومة، مقبولاً أو متسامحاً معه، ما دامت تعبيراته خارج المعادلة الداخلية، ولا يؤثر في حصص المكونات الأخرى في مؤسسات الدولة الضعيفة والباحثة عن مكان لها. أي أنه عنف لا يؤثر في المكونات الأخرى، خصوصاً أن الضغوط الإقليمية التي رافقت تسويق هذا العنف كانت كبيرة جداً.

وعندما بدا أن هذا العنف بدأ يتجه إلى الداخل ويحل شيئاً فشيئاً مكان الدولة، راحت المكونات الأخرى تتململ بغض النظر عن ميزان القوى على الأرض. وبات النظام السياسي برمته على المحك، بغض النظر عن المظهر الخارجي الذي يوحي بأن المؤسسات تعمل بشكل طبيعي. وجاء اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري ليظهّر المعنى العميق للخلل في النظام السياسي احتكرت فيه طائفة السلاح والقوة، وباتت تتحول إلى «معتد» على «حقوق» مماثلة للآخرين. وتأكد الواقع الجديد مع الانتخابات التي تلت الاغتيال، فلا الغالبية البرلمانية التي انبثقت منها تمكنت من ممارسة حقها الاشتراعي، ولا الحكومات مهما كانت تسميتها استطاعت أن تحكم. لقد باتت مفاتيح النظام السياسي ومؤسساته في يدي من يملك القوة المسلحة، وهو هنا «حزب الله»، أي الطائفة الشيعية.

ومنذ ما قبل الربيع العربي، واحتدام الصراع المذهبي في سورية، نظر السُّنة اللبنانيون الى «حزب الله»، بصفته محتكر العنف، نظرة ارتياب وتوجس طائفي. وهي نظرة بادلها الحزب بمزيد من إظهار القوة وببعض حملات تأديبية، ما جعل العلاقة بين هذين المكونين تخرج عن اطار الدولة، ولتصبح أي مشكلة بين فردين نزاعاً أهلياً. وجاء الصراع في سورية ليرسم الخط الفاصل بين المكونين اللبنانيين، وليتحول تبريراً إضافياً للتعارض والتقاتل على أساس طائفي.

وهنا يصبح الأقوى صوتاً والأكثر تشدداً هو الحاكم للمزاج الشعبي، بما يحول إدارة العلاقة التي خرجت من الدولة في ايدي الغوغاء التي تكره، بالتعريف، الدولة وأدوارها الناظمة للحياة السياسية... وهكذا يصبح الربيع اللبناني هو بروز حكم الغوغاء.

وفي هذا المعنى، ليست ظاهرة الشيخ احمد الأسير سوى التعبير عن انتقال السياسة إلى الغوغاء، بعدما سلب «حزب الله» وظيفة الدولة. وفي هذا المعنى تتكرر أعمال العنف على امتداد خطوط التماس الطائفية في الشمال والبقاع، وصولاً إلى صيدا. وهنا يكمن المأزق الكبير للنظام السياسي في لبنان.

* نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.