مستقبل السياسة العربية لفرنسا

الحسين الزاوي

نشر في: آخر تحديث:

كان الحديث عن سياسة عربية لفرنسا، يمثل خياراً استراتيجياً لهذه الدولة منذ فترة حكم الجنرال شارل ديغول، وجاء هذا التوجه كرد فعل على سنوات من الدعم غير المشروط الذي كانت تقدمه فرنسا ل”إسرائيل” منذ إنشائها بموجب قرار تقسيم فلسطين التاريخية سنة 1948 . وقد اتخذت باريس قرارها القاضي بصياغة سياسة عربية مستقلة عن باقي الدول الغربية الكبرى، نظراً لاعتبارات داخلية وجيوسياسية عديدة، لعل من أهمها وجود جالية عربية وإسلامية كبيرة في الأراضي الفرنسية، إضافة إلى المصالح الاقتصادية والسياسية الكبرى التي كانت تحاول فرنسا الدفاع عنها في دول شمال إفريقيا وفي بعض مناطق الشرق الأوسط مثل لبنان وسوريا والخليج .

ومن العناصر الأساسية التي مّيزت حتى الآن سياسة فرنسا العربية هو الحرص الكبير الذي كانت تبديه التيارات السياسية الديغولية بشأن استقرار علاقاتها مع الدول العربية، والذي تجلى في مواقف كثيرة من أهمها رفض فرنسا في عهد الرئيس جاك شيراك التدخل الأمريكي والبريطاني في العراق، لكن تولي ساركوزي لمنصب الرئاسة أفضى إلى تغيير الكثير من مواقف تيار وسط اليمين في فرنسا تجاه القضايا العربية، وزالت بذلك الفروق الكبيرة بين وسط اليمين الديغولي واليسار الذي كان ولا يزال يتشكل تقليدياً من عناصر فرنسية معروفة بأصولها اليهودية وتوجهاتها الصهيونية الواضحة .

اللافت للنظر في المواقف الفرنسية الراهنة التي تبلورت خلال السنوات الأخيرة هو اتسامها بالحدة والاندفاع بخصوص التطورات التي عايشتها الدول العربية على خلفية ما أضحى يعرف إعلامياً بالربيع العربي أو الثورات العربية . فقد كانت باريس سباقة إلى رفع سيف الحجاج في وجه دول عربية كانت تربطها بها علاقات دبلوماسية متوازنة، فالرئيس الفرنسي ساركوزي الذي استقبل العقيد الليبي معمر القدافي استقبال الفاتحين في باريس، ونصب له خيمة فاخرة في أرقى شوارع باريس، كان من أوائل الشخصيات الغربية التي دعت إلى حشد البوارج والطائرات الغربية من أجل إسقاط نظامه، كما أن هذا الرئيس الذي استقبل الرئيس السوري بشار الأسد بالأحضان وأجلسه بالقرب منه خلال الاستعراض العسكري المخلد لذكرى اليوم الوطني الفرنسي هو الذي تزعم بعد ذلك جوقة الفرقة الغربية المطالبة بتنحيته .

كما أن فرنسا التي دعمت نظام بن علي في تونس حتى آخر أيام ولايته، أضحت الآن من أشد المدافعين عن حكومة النهضة في تونس، وتقول عنها إنها تمثل تجربة “رائدة” يمكن لكل دول الربيع العربي الاستفادة منها . ولم يتغير موقفها المعادي لثورة 30 يونيو/حزيران المصرية التي أطاحت بنظام الإخوان إلا بعد جهد دبلوماسي كبير قادته أطراف خليجية مؤثرة . وعليه نستطيع أن نلاحظ بكل يسر أن تحوّل النظام في فرنسا من اليمين إلى اليسار لم يفض إلى إحداث تغيير كبير في هذا المشهد السياسي السوريالي، بالنسبة للدبلوماسية الفرنسية التي أقامت، مؤخراً الدنيا ولم تقعدها من أجل التعجيل بتوجيه ضربة عسكرية ضد سوريا، مباشرة بعد أحداث استعمال الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية بضواحي دمشق، وبدا موقفها متهافتاً عندما تراجع أوباما عن قراره بتوجيه ضربة عسكرية لسوريا، كما أن آلتها الدبلوماسية تعرضت للعطب بعد أن قدمت روسيا مشروعها المتعلق بتدمير مخزون الأسلحة الكيماوية في سوريا . وكانت فرنسا أول دولة غربية تطالب بإصدار قرار أممي بشأن الأسلحة الكيماوية تحت مظلة البند السابع، حيث إنه ورغم استقبالها لوزراء الخارجية الغربيين في باريس من أجل الدفع نحو تبني قرار شديد اللهجة ضد سوريا إلا أن مساعيها تكسرت على جدران الدبلوماسية الروسية المتوازنة، وبات من المؤكد أن استخدام القوة ضد سوريا وفقا لقرار أممي يتطلب العودة مستقبلاً إلى مجلس الأمن من أجل إصدار قرار آخر يشير بكل وضوح إلى إخلال دمشق بالتزاماتها الدولية بالنسبة لتدمير أسلحتها الكيماوية وبضرورة استعمال القوة ضدها، وتمنح هذه الوضعية لموسكو مزيداً من الوقت من أجل إعادة ترتيب أوراقها السياسية والدبلوماسية في المنطقة برمتها .

لا يعنينا في هذا المقام لا مصداقية ولا حتى صواب المواقف الدولية وفي مقدمتها الغربية من التطورات العربية المتلاحقة، فكل الأطراف لها الحق في اتخاذ القرارات التي تتماشى مع مصالحها القومية، لكن الذي يلفت انتباهنا بشكل مثير هو هذا الاندفاع الفرنسي الذي يصل إلى درجة التحامل في ما يتعلق بمصير قضايا إقليمية حساسة ومهمة تتعلق بالأمن القومي العربي، مثل التدخل العسكري في المنطقة ضد بلد ذي سيادة، وقد بدا في السياق نفسه السعي الفرنسي من أجل لعب دور تابع لواشنطن، متجاوزاً إلى حد بعيد حتى مستوى سقف التبعية البريطانية للولايات المتحدة، كما اتسم في اللحظة نفسها بالغرابة الشديدة، بل وأضحى يدعو إلى السخرية والإشفاق، وكأننا أمام سلوك ارتجالي ومتعجل لدولة كبرى بدأت تفقد توازنها بشأن معظم الملفات الإقليمية في المنطقة العربية . من الواضح في كل الأحوال أن مستقبل السياسة العربية لفرنسا بات شديد الغموض، ولم يعد أحد يدري على ما سوف تراهن باريس عليه مستقبلاً من أجل إعادة التوازن لسياستها العربية، ولاسيما أنها أضاعت بوصلتها منذ أن تخلت عن دعمها للقضايا العربية العادلة وفي مقدمها القضية الفلسطينية . ويمكن الاستنتاج عطفاً على ما سبق أن فرنسا قد خسرت عنصراً أساسياً من مكونات سياستها العربية منذ أن تخلت في عهد ساركوزي عن حيادها بشأن الخلافات العربية- العربية، وبدأت تُبلور سياسة خارجية تعتمد بالدرجة الأولى على المصالح الاقتصادية المباشرة، ولم يتبق بالتالي من المشروع الديغولي الموسوم: “السياسة العربية لفرنسا”، سوى بصمة السياسة المتهافتة بعد أن سقط لفظ العربية سهواً، من قاموس الدبلوماسية الفرنسية .

* نقلا عن صحيفة "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.