"مشروع بوتين": ديموقراطية سيادية.. وعسكرة

هاني شادي

نشر في: آخر تحديث:

عندما وقع اختيار يلتسين وحاشيته على فلاديمير بوتين في العام 1999 لتولي رئاسة النظام الذي تشكل في روسيا على أنقاض الاتحاد السوفياتي السابق، أُحيط «الوريث» بالكثير من الشروط. وكان عدم المساس بالرئيس السابق وعائلته وأُسس النظام الذي أسسه من أهم هذه الشروط. وإذا كان بوتين قد التزم بشرط عدم المساس بيلتسين شخصيا وعائلته، إلا أنه شرع تدريجيا في «تحوير» أركان نظامه بالتخلص من الرموز البارزة في عهد الرئيس السابق. وبدأ بوتين بكسر تأثير كبار رجال المال والأعمال، الذين يُطلق عليهم في روسيا طواغيت المال أو الأوليغاركية، على القرارين السياسي والاقتصادي في البلاد. فكان التخلص من ثلاثة أقطاب، وهم فلاديمير غوسينسكي وبوريس بيريزوفسكي وميخائيل خودوركوفسكي، الرئيس السابق لشركة «يوكوس» النفطية. واشترط بوتين على طواغيت المال عدم التدخل في السياسة والولاء للكرملين، فكان له ما أراد.

وبعد ذلك، بدأ بوتين في التخلص من الرموز السياسية للعهد السابق والمرتبطة عضويا بطواغيت المال في روسيا. فأقدم في 2004 على إقالة الكسندر فالوشين، مدير ديوان رئاسة يلتسين، واستغنى عن خدمات ميخائيل كاسيانوف رئيس الحكومة، الذي كان أيضا من رموز العهد السابق. وبذلك تخلص زعيم الكرملين من بعض الرموز البارزة للحرس القديم في عهد يلتسين ليحلَّ محلهم «رجاله المخلصين». وتواكبت هذه العملية مع تقوية دور المركز الفدرالي في روسيا، أي دور الكرملين وهيئات السلطة المركزية ودور بوتين شخصيا، للقضاء على الفوضى والضعف الشديدين للدولة في العهد السابق، وتخلل ذلك القضاء على الحركة الانفصالية في الشيشان.

إن هذه النجاحات، بجانب ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا، جعلت بوتين يندفع بقوة نحو ترسيخ نموذج من الحكم يعتمد على «الديموقراطية الموجهة»، التي تُدار بإحكام وتضمن استمرار «الزعيم» ونظامه لأطول فترة ممكنة، وإن شهد هذا النموذج فترة قصيرة نُقلت فيها السلطة الرئاسية إلى أحد المقربين منه. لقد حدث ذلك عندما نقل فلاديمير بوتين الولاية الرئاسية إلى دميتري ميدفيدف في الفترة 2008 ـ 2012، ثم استعادها مرة أخرى. ويتضمن مشروع «الديموقراطية الموجهة» ما يسمى بـ«الديموقراطية السيادية»، التي طرحها في العام 2006، فلاديسلاف سوركوف، أحد المقربين أيضا من بوتين، والذي عاد مجددا الشهر الماضي كمساعد للرئيس في الكرملين، وذلك بعد فترة انقطاع قصيرة عن العمل معه. وتعني «الديموقراطية السيادية»، في تعريفها البسيط، الديموقراطية غير المفروضة على روسيا من خارجها، أي من الغرب. وتعني أيضا الأخذ في الحسبان الخصوصية الروسية، التي تميل نحو الحكم المركزي الفردي أو شبه الفردي، كما يدعي سوركوف وغيره من أنصار نموذج «الديموقراطية الموجهة». وفي الحقيقة، لقد انسجم هذا النموذج، بما يتضمنه من أفكار مع طموحات بوتين نفسه داخليا وخارجيا أيضا. فمنذ تولي زعيم الكرملين الحالي السلطة في العام 2000، وهو يتحدث عن مشروع بناء دولة قوية يسودها الاستقرار والأمن، وتتمتع بوزن وثقل هامّين على الساحة الدولية. وبعبارة أخرى، استعادة وزن ودور روسيا السابق على المسرح الدولي، ولكن في ظل الإمكانيات المتاحة وفي ظل التغيرات العالمية الجديدة، وصولا إلى عالم متعدد الأقطاب، بدأت تتجلى ملامحه بوضوح في الأزمة السورية. وذلك بعد انفراد الولايات المتحدة بالعالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

إن استعادة قوة المؤسسة العسكرية وتطوير الجيش وتسليحه بأحدث الأسلحة تمثل أيضا أحد المكونات الجوهرية لما يسمى بمشروع بوتين لمواجهة التحديات والأخطار، التي يمكن أن تهدد الأمن القومي الروسي. ولذلك نلاحظ زيادة متواصلة في الإنفاق العسكري من ميزانية الدولة الروسية منذ صعود بوتين إلى الحكم مطلع الألفية الجديدة. وفي هذا السياق تقرر مؤخرا زيادة النفقات العسكرية على الدفاع الوطني في ميزانية الأعوام الثلاثة المقبلة، حيث من المتوقع أن تنفق روسيا في العام 2014 حوالي 77 مليار دولار أميركي، وفي 2015 سيصل الإنفاق العسكري نحو 92 مليار دولار، وفي العام 2016 سيبلغ هذا الإنفاق حوالي 100 مليار دولار أميركي. وستبلغ نسبة الزيادة في الإنفاق العسكري الروسي خلال الأعوام الثلاثة المذكورة نحو 44 في المئة في المتوسط، مقارنة بما هي عليه في العام الجاري 2013. يُذكر أن نسبة الإنفاق العسكري في الناتج المحلي الإجمالي لروسيا تقدر بنحو 4 في المئة حاليا. ويحتل الإنفاق على الترسانة النووية الروسية موقعا خاصا، إذ تقرر أيضا زيادته في الأعوام الثلاثة المقبلة بـ11,6 و13,2 و14,1 مليار دولار أميركي مقارنة بنحو 9 مليارات دولار في العام الجاري. وكان فلاديمير بوتين قد أعلن في شهر آب الماضي أن بلاده لن تخفض الاعتمادات المخصصة لبرنامج تسليح الجيش، مشيرا إلى أنها في حاجة إلى أسلحة جديدة تحل محل الأسلحة الدفاعية التي أكملت مدة خدمتها. وذكر أن القوات الجوية ستحصل على أكثر من 600 طائرة جديدة و1000 مروحية حديثة قبل العام 2020، في إطار برنامج لتحديث القدرات العسكرية الروسية يعكس ملامح «عسكرة « للاقتصاد في حدود الامكانيات الروسية.

ولعل من عيوب «مشروع بوتين» اعتماده على هيكل اقتصادي مشوه يستند في المقام الأول إلى تصدير النفط والغاز، ما جعل البرامج الاقتصادية المتعلقة بالتحديث والبرامج الاجتماعية للحكومة عُرضة لتقلبات الأسعار العالمية لهذين الموردين الاستراتيجيين للطاقة. ويعاني هذا المشروع أيضا من مشاكل دائمة مع الحريات وتداول السلطة بين المكونات السياسية في المجتمع الروسي. فقد أثبتت السنوات السابقة أن ما يجري هو «تبادل» للسلطة في إطار ضيق تماما، وليست عملية «تداول» للسلطة بين من في الحكم ومن في المعارضة. وأخيرا، قد يغري مشروع أو نموذج بوتين في الحكم البعض في دول أخرى، ولكن ينبغي إدراك أن الموارد الهائلة لروسيا، خاصة النفط والغاز، ساعدت كثيرا على «تثبيت» هذا المشروع. وبالطبع، هذه الموارد ليست متوافرة لعدد من الدول الأخرى الطامحة إلى «محاكاة» مشروع بوتين، التي تأمنت له ظروف معينة ساهمت في إنجاحه حتى اللحظة.

* نقلا عن "السفير" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.