فراغ القوة تهديد للاستقرار

جميل مطر

جميل مطر

نشر في: آخر تحديث:

تطرح التطورات الدولية الراهنة فكرة تبدو للوهلة الأولى خيالية أو مستحيلة . علمتنا الحروب العالمية والنزاعات الإقليمية الكبرى، كما علمتنا الكتب والدراسات المتخصصة في العلاقات الدولية، وممارسات خبراء الدبلوماسية والمفاوضات أن قوة الدولة مسألة نسبية وليست مطلقة . أمريكا ربما كانت دولة قوية بالنسبة لروسيا وكندا والمكسيك، وروسيا ربما كانت دولة قوية بالنسبة للصين وبولندا وألمانيا الغربية والمملكة المتحدة، ومصر ربما كانت دولة قوية بالنسبة للسودان وليبيا ودول عربية وإفريقية متعددة . لكن لم تكن أمريكا أو روسيا أو مصر في أي وقت وكل وقت دولاً قوية بشكل مطلق أو دائم .

كتبت هذه المقدمة تمهيداً لطرح الفكرة التي بدت لي لأول وهلة مستحيلة، حتى بدأت أتعود عليها وأناقشها مع نفسي قبل أن أناقشها مع زملاء ومحاورين . خلاصة ما أطرحه هو أنه قد لا يوجد في النظام الدولي الراهن دولة تستحق أن توصف بالقوة، نسبية كانت أم مطلقة .

بمعنى آخر، أزعم أن “الضعف” أصبح سمة عامة تلتصق بالأغلبية العظمى من الدول الكبرى خاصة، وإذا سمحنا لأنفسنا “بتدريج” هذه الفكرة تمهيداً لمناقشتها، لقلنا إن شواهد عديدة وقعت خلال السنوات الأخيرة تشير إلى أن دولة بعد أخرى مستعدة من دون خجل أو حياء أن تعترف أنها فقدت جانباً من قوتها، وفي أحوال معينة قد تعترف بأنها وضعت خططاً استراتيجية متوسطة المدى تحقق بتنفيذها هدف تقليص مسؤوليتها الدولية وإعادة تقييم مصالحها القومية وتخفيض مصادر قوتها المادية مثل عدد الجنود وميزانية التسلح وإغلاق قواعد عسكرية في الخارج والداخل .

نعرف أن أمريكا، عن قصد وعمد، تفعل هذا الشيء في هذه اللحظات التي تعيشها، لعلها خطة “أوبامية”، نسبة إلى باراك أوباما، جاء بها من خارج النظام السياسي الأمريكي ليدخل بها التاريخ، أو تبناها وهو في الحكم تحت ضغط عوامل داخلية وخارجية متعددة، وعلى ضوء واقع الأزمات الاجتماعية والمالية المتلاحقة، أو نتيجة أخطاء ارتكبها هو وإدارته، وكلها أسباب كافية لإزاحة سيرته إلى خارج التاريخ . يستحيل أن نحكم الآن . الأمر الوحيد المؤكد أمامنا هو أن أوباما حريص على أن يعيد تفصيل مكانة أمريكا ودورها في قيادة النظام الدولي بما ينسجم مع تراجع مصادر قوتها الفعلية ومع ضخامة وتعقد المشكلات الدولية التي يستعصى على دولة واحدة حلها، مهما بلغت هذه الدولة من القوة .

كنا نقول، ومازال كثيرون يقولون، إن قوة أمريكا تراجعت لأن قوة الآخرين تقدمت . يبدو أننا بالغنا في تقدير قاعدة القوة كمسألة نسبية، فأمريكا، كما هو واضح لنا تتراجع، لأن مصادر قوتها الذاتية تتراجع وليس لأن الاتحاد الأوروبي، حليفها الأساسي، حقق وحدة أوروبية أو معجزة اقتصادية فصار يحتل مكانة الحليف الأقوى في المعادلة الغربية . الواضح لنا، وضوح التراجع الأمريكي، أن القوة الكلية، بمعنى مجموع “قوى” الدول الثماني والعشرين، تراجعت في السنوات ذاتها التي شهدت تراجع القوة الأمريكية . ولدينا في حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي في دول مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا دليل قوي . لدينا أيضاً دليل الانقسام في الرأي بين دول الاتحاد حول قضايا جوهرية مثل مستقبل الاتحاد واحتمالات انسحاب بريطانيا وحلول الأزمة الاقتصادية، والخلاف حول مستقبل التعاون مع النظام العربي وتسوية الصراع العربي - “الإسرائيلي” والاتفاقية التجارية مع الولايات المتحدة ومستقبل العلاقات مع روسيا والموقف من تحول أمريكا نحو آسيا .

الحادث في أوروبا ربما أكد بشكل غير مباشر نبوءة باراك أوباما، أو لعلها كانت رؤية واجتهاداً لا أكثر، حين قرر تخفيض روابط بلاده بالأوروبيين . اعتقد أوباما أن أوروبا شاخت ولم يعد لديها ما تقدمه سوى دروس رومانسية من ماضيها البعيد .

أوروبا في نظر أوباما لم تعد رصيداً يعتمد عليه لو شاءت أمريكا أن يستمر الغرب حلفاً أو قوة توسعية، وبرهانه الذي يعتمد عليه هو الانسحابات الأوروبية المتتالية من حرب أفغانستان والتردد المتواصل في المشاركة بقوات وأموال في حروب وتسويات إقليمية خارج أوروبا إلى جانب أمريكا مثلما حدث خلال الساعات القلائل التي أعقبت إعلان أوباما نيته قصف سوريا . هي أيضاً لم تعد رصيداً منذ أن بدأت ألمانيا تقودها نحو الاهتمام بروسيا، عملاً بالقاعدة التاريخية القديمة التي دفعت قادة أوروبيين عديدين على امتداد التاريخ الحديث لتحقيق هدف “أوروبة” روسيا، ومنعها من اختيار بديل الانعزال والتقوقع أو الاستمرار في تبني الشكوك تجاه دول غرب القارة .

أنا شخصياً، كنت بين القائلين، إن صعود الصين سبب غير مباشر في انحدار الولايات المتحدة كان الظن أيضاً أن تأخر حكام الصين عن ممارسة دور دولي يتناسب مع قوة بلادهم الصاعدة يعود إلى أنهم مازالوا ينفذون خطة التصعيد بتدريج مدروس . لاحظنا خلال الشهور الماضية، وبخاصة في أعقاب انعقاد مؤتمري بالي وبروناي لقمة دول جنوب وشرق آسيا، أن الصين، عندما غابت الولايات المتحدة عن القيادة، وجدت نفسها في موقع القائد من دون منافس . ومع ذلك كان مبهراً الأسلوب الذي انتهجته في المؤتمرين لتأكيد نيتها في استمرار الصعود نحو القمة، في الوقت نفسه عدم القفز أو التهور في الوصول إليها .

بكلمات أخرى، الصين رغم قوتها الظاهرة والصاعدة، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، لا تزال دولة عظمى “ضعيفة” . تابعنا خطواتها في القضية السورية، وبخاصة أنها صارت قضية دولية خطيرة . وجدناها في أحسن الأحوال “مقلدة” بحذر للسياسة الروسية . بل إن المثال بأكمله، وأعني المثال السوري، يؤكد أن روسيا نفسها ليست على درجة من القوة تسمح لها بأن تحتكر التأثير في القضية وأن تصل بها إلى نهاية هي وحدها التي تقررها . تماما وبالقدر نفسه مثل الولايات المتحدة، التي أكدت خلال الأشهر الأخيرة حقيقة أن مجمل قوتها الناعمة والصلبة على حد سواء لم تكن كافية لاحتكار فرض الحل في سوريا .

إضافة إلى ما سبق، أتصور أن الشرق الأوسط يقدم نماذج متعددة تؤكد فكرة تراجع القوة في عديد من الدول، وليس فقط عند القمة الدولية . إيران أكدت هذا المنحى حين قررت الاعتدال في المواجهة الناشبة بينها وبين الولايات المتحدة، إذ أنه لولا الشعور بتراجع مجمل القوة الإيرانية، ناعمة وصلبة، ما لجأت القيادة الدينية في طهران إلى الكشف عن وجه آخر لها أكثر انسجاماً وواقعية مع ظروف ما بعد الحصار الاقتصادي والعزلة الدبلوماسية وتفاقم الفوضى في دول الربيع العربي .

تركيا قدمت المثال الثاني بتراجع نفوذها الشعبي والسياسي في معظم دول الربيع العربي ودول عربية أخرى، بل وفي أوروبا الغربية، حيث الحلم التركي لا يزال رهن القرار الأوروبي، وإن بأمل أضعف كثيراً من أمل العقود الماضية .

تراجع القوة التركية وبخاصة الناعمة في دول الإقليم نابع عن سوء تقدير سياسي من جانب حكومة أنقرة للموقف من الدين السياسي في لحظة فارقة في تطور النظام العربي .

من ناحية أخرى خصمت “انتفاضة تقسيم” جانباً من أرصدة القوة التركية وجعلت تركيا تبدو غير بعيدة عن احتمالات الثورة الشعبية . من ناحية ثالثة كان للموقف التركي من الثورة السورية آثار سلبية بسبب تصرفات اشتركت فيها مع دولة قطر، وبعضها يتعلق بالتدخل في توجهات قوى الثورة لغير مصلحة التيار الرئيسي فيها .

الحديث عن تركيا يجرنا إلى الحديث عن مجموعة “البريكس” . إذ لا شك أن منحنى المجموعة كقوة دولية صاعدة كشف عن مرحلة تباطؤ واضح، ربما باستثناء الصين . بل وحتى الصين، فقد تعمدت ألا تترجم الزيادة في مجمل مؤشرات قوتها ممارسة فعلية على مستوى القيادة الدولية . كذلك تعرضت القوة البرازيلية لانكماش ناتج عن تدهور في بعض قطاعات الخدمات وانتفاضة شعبية لها، ما يبررها على صعيد الفساد وهدر الإمكانات . ظهر هذا الانكماش واضحاً خلال الأزمة الأخيرة بين برازيليا وواشنطن حول التنصت على هواتف الرئيسة ديلما روسيف، إذ لم يتحقق تضامن إقليمي مناسب يشد من أزر البرازيل والمكسيك في المواجهة مع الولايات المتحدة .

تتعدد مظاهر ضعف “القوة الدولية”، هناك ضعف قوة الكبار، كل على حدة، ولكن هناك أيضاً، مظاهر تدل على ضعف تماسك معظم التحالفات الدولية والإقليمية، كتراخي التزام الدول الأعضاء بمقررات الحلف وخططه أو النقص في الولاءات أو إيلاء مصالح أخرى أهمية أكبر من مصالح الحليف . من ناحية أخرى يبدو واضحاً أن الضعف استشرى إلى حد التأثير في أداء وكفاءة المنظمات الإقليمية، ومنها الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية .

هذا الضعف في “القوة” إن صحت تقديراتي، لن يكون في مصلحة الاستقرار في العالم، وبخاصة في مناطق النزاعات والثورات . وهو بالتأكيد لن يكون في مصلحة العالم العربي .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.