عاجل

البث المباشر

قراءة في نتائج انتخابات إسرائيل.. "لا لحل الدولتين"

المصدر: القدس- زياد حلبي

لم تكن مفاجأة الانتخابات في إسرائيل أن يخرج منها بنيامين نتنياهو، صاحب الحظّ الأوفر بتشكيل الحكومة، حتى لو فاز فيها حزب المعسكر الصهيوني برئاسة اسحق هرتصوغ، فكتلة اليمين، ونزعة اليمين في المجتمع الاسرائيلي، تسود المشهد الاسرائيلي بثبات منذ سنوات طويلة، وكما أشرنا فإن " الإسرائيليين ينساقون خلف من يثقون بقدرته على إدارة الحروب لا تحقيق السلام!"، لكن ذلك لا ينتقص من " دراماتيكية" الانتصار الذي حققه نتنياهو، بفوزه على ما كان استفتاء على شخصه في المقام الاول.

فماذا حدث إذن؟ مرة أخرى أثبت نتنياهو بأنه خليق بلقبه في السّياسة الإسرائيلية وهو " السّاحر"، الذي يفسر من خلاله الإسرائيليون قدرته المتكررة على كسب معارك " صراع البقاء". وهنا تلعب استطلاعات الرأي في اسرائيل ما هو أبعد من وظيفتها، فلم تعد مجرد وسيلة لرصد مزاج الشارع، وإنما تحولت الى محفز لسلوك النَّاس انتخابيا، بناءً على معطياتها، وكذلك السّياسيين.

ولما كانت الانتخابات الإسرائيلية تحسم عادة في الأيام الثلاثة الاخيرة التي تسبقها، فقد شخص نتنياهو منفذا لكبح تفوق خصومه وتغيير مجرى الأمور لصالحه. فالاستطلاع الأخير (اجري يوم الجمعة الماضي ،حيث تمنع الاستطلاعات قبل 3 أيام من الانتخابات) كان يتحدث عن تقدم " المعسكر الصهيوني " بأربعة مقاعد على الليكود، فقرر نتنياهو إدارة الأمور شخصيا، فانبرى يتحدث في وسائل الاعلام وعلى كل منبر متاح. وبعد ان أسس لاستراتيجية الترهيب من إيران والحروب القادمة، اضطر الى التضحية بأحزاب اليمين الأخرى، فخرج يدعو إلى عدم التصويت لتلك الأحزاب وإنما لليكود فقط - البيت اليهودي انهار إلى ٨ مقاعد وحزب ليبرمان الى ٦ مقاعد، وأعلن أن حكم اليمين سينتهي اذا لم يحدث ذلك، لكن الذروة كانت عندما أطلق نداء عنصرياً لاستنهاض اليمين،" العرب يصوتون بكثافة في الانتخابات"، ويعتقد بأن ذلك حرّك قاعدة اليمين العريضة، وعمل نتنياهو نجح في الرّبط بين المعسكر الصهيوني والخطر العربي بنظر الإسرائيليين.

كما نجح نتنياهو في اللعب على عواطف اليمين، مدركاً أنه يشكل غالبية الإسرائيليين، بالادعاء أن دولا كبرى تسعى لإسقاطه- الولايات المتحدة انتقدت موقفه من العرب داخل إسرائيل - وتدعم خصومه تماماً كما الاعلام الاسرائيلي الذي يلاحقه ويلاحق زوجته ساره نتنياهو منهجيا.
أما يسار الوسط فاكتشف ما هو معروف لا يمكن العودة للحكم إلا بوجود جنرال مجرب يتقدم الصفوف كما فعل اسحق رابين وايهود براك سابقا!

حكومة يمين خالصة.. و"لا" صارخة لحل الدولتين

" الشعب في اسرائيل لا يريد حلّ الدولتين ويرفض الانسحاب لحدود عام ٦٧ " هذه قد تكون الرسالة المقلقة التي بعثت بها الانتخابات الإسرائيلية للعالم الخارجي وللفلسطينيين أيضاً، إن لم تغير نتائج تصويت الجنود بعد فرزها في الأيام المقبلة، فستكون فرصة لنتنياهو أن يشكل، لأول مرة منذ عام ٩٩، حكومة يمين خالصة بمشاركة أحزاب اليمين والأحزاب الدينية.

وبعد أن دفع الثمن مسبقا للحزب الذي يشكل بيضة القبان ويعتبر صانع الملوك " كلُّنا " برئاسة موشيه كحلون، الذي سيصبح وزير المالية في حكومة نتنياهو الرابعة، سيتمكن نتنياهو من مواجهة أي نزعات ابتزاز من قبل شركائه الآخرين بحزب كبير تدور في فلكه أحزاب صغيرة، لكن اللافت أن حكومة نتنياهو المقبلة لن تستخدم ورقة التوت المعهودة، أقله في المراحل الأولى، لمواجهة العالم وتخفيف صورتها المتطرفة كما كان يحدث عادة، شارون ضم العمل ونتنياهو ضم كاديما والعمل،ف ي حكومات سابقة، وقد تكون فرصة فريده ليفهم العالم ماذا تريد اسرائيل حقاً، فاليمين اضطر للتعاطي مع خطط اليسار للحل السياسي طوال السنوات الماضية، والقائمة ،بالمنظور الاسرائيلي، على تقاسم " ارض اسرائيل " مع الفلسطينيين مع خطوط حمراء تتعلق بالقدس واللاجئين والأمن،- استراتيجية " السلام" لدى اليسار الاسرائيلي تقوم أساسا على نظرية " عنصرية"، تعتبر الفلسطينيين تهديدا ديمغرافيا للدولة اليهودية وتهدف لمنع دولة ثنائية العمومية معهم -لكن مشكلة نتنياهو ستبقى بأن " الحكومات الضيقة" لا تعمر فأول خلاف مع حزب كحلون مثلا يمكن أن يسقط الحكومة المقبلة، لا سيّما وان كحلون سيطلب من نتنياهو اطلاق مفاوضات مع الفلسطينيين لفتح الاستثمارات والأسواق العالمية أمام الاقتصاد الاسرائيلي كما قالت مصادر في حزبه!.

لكن يمكن التوقع بأن حكومة كالتي ينوي تشكيلها نتنياهو لن تتقدم خطوة تجاه حلّ سياسي وستعمل على وأد فرصه على الارض ،وقد تكون نقطة التفاؤل لدى الفلسطينيين، إذ ستعري اسرائيل وتبرز وجهها اليميني، ما يمكن استثماره في ظلّ سوء العلاقة مع البيت الأبيض. ولعل هذا ما يخشاه مقربون من نتنياهو، إذ يتخوفون من أن يسارع أوباما الى طرح فرض خطة تسوية حتى عبر مجلس الأمن قد تجرّ عقوبات دولية اقتصادية على اسرائيل، بالإضافة الى أن ما يسمى يسار الوسط في اسرائيل يبقى خارج دائرة الضغط الدولي كما كانت الحال في عهدي بارك وأولمرت.

القائمة العربية المشتركة

من جهة أخرى لا شكّ في ان القائمة المشتركة، التي انضوت تحت لوائها الأحزاب العربية، حققت إنجازا تاريخيا. إذ لأول مرة يصبح العرب القوة السياسية الثالثة في اسرائيل، ولأول مرة يصوت ٧٠٪ من العرب في انتخابات تشريعية وتذهب ٩٠٪ من أصواتهم للقائمة العربية، لكن ترجمة الإنجاز قد تبقى محدودة على الصعيد النوعي. فقد تبددت الفرصة التاريخية، حالياً على الأقل، بأن ترأس القائمة العربية المعارضة البرلمانية ببقاء هرتصوغ زعيماً للمعارضة، كما انه لن يكون ممكنا تكرار التأثير الحاسم الذي حظي به العرب في حكومة رابين حيث مررت أصواتهم اتفاقية أوسلو وشكلوا جسما حاسما او شبكة أمان لتلك الحكومة من خارج الائتلاف ومنعوا إسقاطها،وكانت تلك المرحلة اليتيمة التي اضطرت حكومة اسرائيلية الى مضاعفة الميزانيات للسلطات المحلية العربية ثمنا لبقائها السياسي. فمع حكومة نتنياهو اليمينية ستكون القائمة العربية حزبا معارضا عالي الصوت سيحاول التصدي الى عشرات القوانين العنصرية التي ما تزال في جعبة اليمين تصاف الى قوانين النكبة( السجن لمن يحيي ذكراها) أو الولاء للدولة ثمناً للمواطنة.

لكن القائمة سترأس عدة لجان في الكنيست وهي فرصة للتأثير على ارغم من أن الواقع الفلسطيني في الداخل لن يتغير كثيرا في ظلّ سيادة النزعة اليمينية على المجتمع الاسرائيلي كما تجلت اخيراً في الانتخابات.

وقد يواسي العرب أنفسهم بأنهم نجحوا في الانتقام ممن أراد اقصاءهم عن المشهد السياسي برفع نسبة الحسم ( وهي عدد الأصوات للمقعد الواحد المطلوبة لدخول الكنيست) وهو أفيكدور لبرمان الذي انهار حزبه الى ٦ مقاعد فقط ، ورفع نسبة الحسم كانت من أسباب توحيد الأحزاب العربية على الرغم من وجود تناقضات بين مركباتها. وسيكون الاختبار الحقيقي أن تصمد هذه الوحدة وألا تسارع الأحزاب العربية الى تفكيكها، وقد يكون ما يردعها في ذلك، أنها ستدفع ثمناً باهظاً في الانتخابات المقبلة من الناخبين العرب الذين أكدوا أنهم يريدون توحيد الصفوف في إطار نضالهم ضد المؤسسة الحاكمة في اسرائيل وسياسات التمييز التي تمارس ضدهم منذ انشاء اسرائيل.

ويشار الى ان الأحزاب العربية ترفض تقليديا وتاريخيا الانضمام الى اي ائتلاف حكومي وتنأى عن اي تمثيل لها في السلطة التنفيذية- الحكومة لأسباب أيديولوجية راسخة، ومن هنا رفضت حتى توقيع اتفاق على فائض الأصوات مع حزب ميرتص اليساري ،وعليه فان القائمة العربية ستعمل في إطار المعارضة.

إعلانات