مراسلة "العربية" تروي كواليس تغطية الانتخابات بنيويورك

نشر في: آخر تحديث:

حتى اللحظات الأخيرة لم تعلن حملة المرشح الجمهوري، دونالد ترمب، عن المكان الذي سيعلن منه الفوز أو الخسارة على عكس التقليد المتبع.

تحدثت الإشاعات أن المكان قد يكون في منتجعه في بام سبرنج في فلوريدا، أو حتى في فندق ترمب الجديد في واشنطن دي سي.

وقبل أيام فقط من يوم التصويت تأكد المكان وهو نيويورك. قطعنا التذاكر وحملنا المعدات، ومنها أجهزة البث وحقائب السفر وتوجهنا من يونن ستيشن في العاصمة واشنطن إلى بن ستيشن في نيويورك.

الثلاثاء بدأ باكرا، استقللنا السيارة إلى مركز تصويت في بروكلين، لنفاجأ بأن المركز لا يسمح بالتصوير في الداخل، فكل ولاية لديها نظامها الخاص.

ورغم تغطيتي للانتخابات الأولية ودخول طاقم التصويت بسهولة في أيوا وفيرجينا اضطررنا للوقوف أمام مركز التصويت في بروكلين تحت رحمة درجات حرارة منخفضة، فمر أول بث مباشر بسلام قبل أن يأتي مسؤول المركز ويلصق لافتة في الخلف تقول ممنوع التصوير.

تعقدت الأمور.. لكن لا يوجد لدينا بديل سوى الاستمرار لأربع ساعات متواصلة، فلا يوجد وقت كاف بين ظهوري على نشرات العربية والحدث للانتقال إلى مانهاتن.

حقيبة المكياج والبرد القارس

البرد كان شديدا والوقوف دون حركة أمام الكاميرا زاد من شعوري بالبرد، لم نحضر معنا زجاجات ماء ومع السرعة. نسيت حقيبة المكياج وازداد اصفرار وجهي من قسوة البرد، لكن خوفي الأكبر كان من خروج مسؤول مركز التصويت ومنعي من البث على الهواء مباشرة، بعدما ألصق لافتة بحروف كبيرة تقول (ممنوع التصوير) لكنه انشغل بالناخبين في الداخل ونسينا.

استمررنا في التغطية من بروكلين والتحق بي ثلاثة ناخبين من أصول عربية كضيوف في البرنامج عبر الساعات المتتالية للبث، شعرت بالرضى عن التغطية لكني لم أستطع قراءة آخر الأخبار، لأن هاتفي كان على اتصال مع دبي وكنت أخشى أن تفرغ البطارية ونحن على الهواء.

سباق حاد مع الوقت

في منتصف اليوم كان لدينا ساعة واحدة بين النشرات نستطيع الانتقال بها إلى البث من أمام برج ترمب، استقللنا تاكسي وانتقلنا بأقصى سرعة إلى الجادة الخامسة في مانهاتن، لنبدأ البث من أمام برج ترمب.

لكن الأمر لم يكن سهلا فقد أغلقت الشرطة معظم الشوارع المؤدية إلى البرج، وانتشر الآلاف من عناصر الشرطة والشرطة السرية في أكبر عملية أمنية مرافقة للانتخابات تشهدها نيويورك، فقد وضعت متاريس حديدية في معظم الشوارع وأخبرتنا الشرطة بعدم قدرتنا بالوقوف أمام برج ترمب.

الوقت كان يمر بسرعة وموعد البث المباشر يقترب ويصبح ربع ساعة أدركت أن علينا التصرف.

المخاطرة بدون استئذان

بدأنا نمشي بسرعة مثقلين بأمتعة كثيرة ما بين الكاميرات والبطاريات وأجهزة البث الحي والكابلات، كان عليّ المخاطرة والوقوف على ناصية شارع بدون استئذان، وذلك لأنني في حال استأذنت من الشرطي سيكون الجواب بالنفي.

وبالتالي قررنا أن نقف دون استئذان، وعلينا أن نحافظ على عمر البطارية وأجهزة الإضاءة والتلفون التي بدونها لا نستطيع أن نبث ونحن في تغطية حية ومفتوحة.

فجأة ظهر رجل يرتدي بدلة رسمية، وقال لنا لا يمكنكم الوقوف هنا، لاحظت اللاسلكي المربوط في أذنه اليمنى وأدركت أنه من الشرطة السرية، شرحت له الوضع ورجوته أن يسمح لي بالبث للنشرة القادمة وبعد ذلك سأتدبر أمري، وكان لطيفا وقال بأدب (أوكي لكن لا أريد أن أركم هنا بعد 10 دقائق) شكرته على كرمه بالوقت.

وطلبت من مصوري لؤي أن يشغل الأجهزة لبدء الإرسال للحديث عن التشديدات الأمنية، ومؤيدي ترمب الذين انتشروا في شوارع مانهاتن.

وقبل أن أظهر على الهواء فجأنا رجل آخر من الشرطة السرية كان فظا وطويل القامة وعندما وقف أمامي شعرت بأنني نصف حجمه.

التهديد بالاعتقال

قال بصوت حاد انفضوا من هنا الآن، قلت له إننا على الهواء مباشرة، وإننا حصلنا على إذن من رجل شرطة آخر لكن هذه المرة لم يكن الحظ معنا فقد كان مصمما على ألا يسمح لنا بالبث ووقف بيني وبين الكاميرا، ولم يكن لدي سوى الاستمرار في وصف ما حدث معنا دون صورة، لكنه هدد باعتقالنا لو بقينا دقيقة إضافية.

في هذا الوقت قررت أن المخاطرة غير موفقة اضطررنا للمرة الثالثة للتنقل إلى شارع آخر بعد إغلاق الشرطة لكل الشوارع المؤدية إلى المركز الذي صوت فيه دونالد ترمب.

القلق الآن كان من فراغ البطاريات جميعها لا يوجد مكان في الشارع لشحن البطارية أو الهاتف.

ساندويتشات "الهوت دوغ"

شرطي رابع هذه المرة شرطي رسمي مسلح يطلب مني الإسراع وأنا على الهواء.
المصور يحمل الكاميرا على الكتف ممنوع وضع "حامل الكاميرا" على ناصية الشارع، لا أعرف كيف احتفظت بهدوئي فقط ركزت على عدسة الكاميرا، وكأنني لا أرى شيئاً غيرها، وأنا أتواصل مع زميلي المذيع في استوديوهات العربية في دبي، تنفست الصعداء عندما سمعته يقول ننتقل الآن إلى ميشيغان.

الآن أنا والمصور وزميلتي زينة بدأنا نشعر وكأننا مطاردون في شوارع مانهاتن في أكثر الأيام أهمية، بدأ الجوع يتسلل إلى أمعائنا الخاوية لا وقت للبحث عن مقهى أو مطعم، لكن عربات (الهوت دوغ) المنتشرة في شوارع نيويورك أنقذتنا. في العادة لا أتناول الوجبات السريعة، لكن للهوت دوج هذه المرة مذاقاً آخر.

كوب من القهوة وبطارية للبث

بدأت البطاريات في النفاد، أرسلنا زينة إلى مقهى قريب حتى تستطيع أن تشحن البطارية، ولو لربع ساعة وانتظرت أنا ولؤي في الشارع نفترش الأرض لحين عودتها ومعها بطارية وكوب قهوة ساخن، فهذا هو كل ما نحلم به في هذه الساعة قهوة مع زجاجة ماء وبطارية للبث.

الوقت كان يمر بسرعة هبط المساء سريعا، وبدأت الشوارع تمتلأ بمؤيدي ترمب وبعضهم عدواني يرفع قبضته في الهواء ويصرخ "أميركا، أميركا".

أحيانا كان التلاسن والمشادات الكلامية تشتد بين مؤيدي كلينتون ومؤيدي ترمب، لكن وجود الآلاف من عناصر الشرطة منع تحول هذا التوتر إلى عنف.

بدأت النتائج تظهر والولايات المتأرجحة بدأت تتهاوى لصالح ترمب وعلى عكس كل التوقعات.

أخيرا عندما حسمت بنسلفانيا لصالح ترمب أصبح تأمين العدد المطلوب للفوز بالكتلة الانتخابية أمرا واقعا.

بات صراخ المؤيدين خلفي عالياً كما أبواق السيارات المارة، فيما سالت دموع مؤيدي كلينتون. الساعة الآن تقترب من الثالثة صباحاً بالتوقيت المحلي.

20 ساعة من التغطية المباشرة

حاول مصوري لؤي الإبقاء على البطاريات حية بإرسال زينة في رحلات مكوكية إلى المقاهي المجاورة لشحنها. فقدنا الأمل بعدما أغلقت كل المقاهي، لكن كثافة المؤيدين في الشوارع ازدادت وكأن الوقت منتصف اليوم، لم تعد أقدامي تحملني ولم يكن هناك مكان للجلوس معظم التغطية، التي استمرت ما يقرب من الـ20 ساعة متواصلة.

في الرابعة صباحا عدنا إلى سكننا، لكن الإرهاق منعنا من النوم.

عدنا في اليوم التالي إلى برج ترمب للتعليق على فوزه، انهمر المطر واصطف مئات الصحافيين ضمن منطقة صغيرة تكاد تتلاصق فيها الأكتاف.

حاولنا شراء مظلة تحمينا من المطر بين البث المباشر والآخر، والوقت دوما عدونا.

اضطررت للقفز على المتاريس الحديدية ليظهر بوجهي مرة أخرى رجل شرطة ويسألني لماذا أقفز على المتراس؟

يمني الأصل في شرطة نيويورك

شرحت له بقلق أنني صحافية ومصوري في المكان الآخر من المنطقة المخصصة للصحافيين، وعليّ التوجه فورا للبث المباشر، فسألني لمن تعملين؟ قلت بتردد لمحطة العربية، ابتسم وقال العربية؟ قلت نعم وأردت أن أشرح له من نحن قبل أن يقاطعني أهلا وسهلا.

سألته باستغراب بتحكي عربي؟ أجاب نعم، أنا يمني الأصل وأعمل مع شرطة نيويورك منذ 10 سنوات.

ليس فقط تغاضى عن قفزي على الحاجز بل قدم لي بطاقته، وقال "إذا احتجتي أي شيء عند عودتك إلى نيويورك هذا هو رقمي".

الآن لدينا صديق في شرطة نيويورك وربما هذا التنوع العرقي هو ما يجعل الولايات المتحدة دولة عظيمة.