هل يعود الأمل الأوروبي بعد سنوات الاكتئاب؟

نشر في: آخر تحديث:

تؤكد مؤشرات عدة استعادة #الاتحاد_الأوروبي الأمل بعد سنوات الاكتئاب نتيجة سلسلة أزمات مستعصية ومتزامنة، بدءا من انهيار النظام المصرفي ومخاطر تفكك منطقة اليورو، حتى حرب تنظيم #داعش في شوارع المدن الأوروبية، مروراً بأزمة تدفق #الهجرة_غير_الشرعية، وصدمة استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد والتساؤلات التي أثارها حول مدى تماسك الاتحاد في المستقبل.

مؤشرات عودة الأمل تستند إلى تحسن الوضع الاقتصادي، حيث تشير التوقعات إلى ثبات النمو بنسبة 1.9% في غضون العامين. وسجلت معدلات البطالة تراجعاً نسبياً، فيما ارتفعت معدلات الاستهلاك والاستثمار. وتم خلق 10 ملايين وظيفة في السنوات الأخيرة. ورأى رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك "عودة الثقة في المشروع الأوروبي" بعد سنوات عجاف.

خيبة اليمين المتطرف

وأثبتت نتائج الانتخابات العامة في أكثر من بلد أوروبي منذ نهاية العام الماضي تمسك غالبية الرأي العام الأوروبي بالمشروع الاندماجي، من خلال إحباط محاولات اليمين المتطرف الوصول إلى السلطة، عكس توقعات كثيرة.

وأخفق مرشح حزب الحرية في النمسا (آ ف.بي. أو)، نوربير هوفير، في انتخابات المستشارية في #النمسا في ديسمبر 2016. ولم يحقق حزب الحرية في #هولندا بزعامة غيرت فيلدرز هدف الفوز بالمرتبة الأولى في الانتخابات العامة في مارس 2017. وخابت زعيمة الجبهة الوطنية في #فرنسا مارين لوبن في انتخابات الرئاسة. وحققت نتيجة هزيلة في الانتخابات العامة (8 مقاعد) بعد أن كانت توقعت نتيجة تمكنها من تشكيل كتلة داخل الجمعية الوطنية.

والاتجاه نفسه سجل في #بريطانيا. وتشير عمليات استطلاع للرأي ارتفاع نسبة المناصرين لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد. واستنتج دونالد توسك أن الاتحاد "دخل المنعطف ببطء. ويشهد العديد من البلدان بداية تراجع صدى الأحزاب السياسية التي بنت رصيدها الانتخابي على أساس استعداء الاتحاد الأوروبي". لكن التراجع يظل نسبياً".

فقد حصل ممثلو التيارات الشعوبية من أقصى اليمين وأقصى اليسار في فرنسا على أكثر من 40% من أصوات الناخبين في الدورة الأولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية. وصوت واحد من كل خمسة هولنديين لفائدة زعيم اليمين المتطرف. وتظل خيبة مارين لوبين وصديقها السياسي غيرت فيلدرز وتراجع رصيد اليمين المتطرف في #ألمانيا من بشائر الصحوة الأوروبية ضد التطرف، رغم استمرار أزمة الهجرة غير الشرعية.

تعزيز آليات الدفاع المشترك

ويمثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نجماً ساطعاً في سماء الاتحاد الأوروبي لأنه وضع حداً لتطلعات #اليمين_المتطرف وجعل خطاب مناصرة الاندماج الأوروبي جزءا من برنامجه السياسي. وضمَّنه الالتزام بدعم اندماج منطقة اليورو واقتراحات تعزيز آليات مشتركة يجري تطويرها من أجل تعزيز بناء سياسية دفاعية وأمنية أوروبية.

وبعد سنوات التردد، وافقت القمة الأوروبية في الأسبوع الماضي على مبدأ ورد في معاهدة لشبونة لعام 2010 ويسمى "التعاون الهيكلي الدائم". وتمكن هذه الآلية الدول الأوروبية التي ترغب القيام فيما بينها بعمليات عسكرية أن تحظى بدعم الخزانة الأوروبية.

وتشترط المعاهدة أن تكون العمليات ذات صلة بمهمات حفظ السلام وألا تكون عمليات حربية. كما صادقت القمة الأوربية على اقتراح قدمه رئيس المفوضية جان كلود يونكير بشأن إنشاء "صندوق الدفاع" الذي سيمول برامج الأبحاث والتطوير ذات الأهداف العسكرية، وكذلك تمويل تزود عدد من الدول بمشتريات عسكرية مشتركة مثل الطائرات من دون طيار وآليات الدفاع ضد القرصنة والهجومات الإلكترونية.

الاحتماء من فوضى العولمة

وينظر إيمانويل ماكرون إلى أوروبا بمثابة "مشروع مستقبلي" متواصل ويقتضي من الدول الأعضاء في مقدمها فرنسا القيام بالإصلاحات الضرورية في مجالات عدة، خاصة التحكم في الإنفاق العام وتعديل قوانين سوق العمل كي تكون مرنة بالنسبة إلى المستثمرين والعمالة.

وفي المقابل، يتطلع إلى أن تكون أوروبا قادرة على حماية الأوروبيين من تداعيات فوضى العولمة والتنافسية غير النزيهة.

وقال الرئيس #ماكرون في مؤتمر صحافي مشترك مع المستشارة أنجيلا #ميركل في نهاية أشغال القمة الأخيرة بأن "تمسك أوروبا بالتجارة الحرة والنظام متعدد الأطراف لا يعني أن أوروبا تنفرد بذلك فتكون ساذجة. قطعاً لا".

لذلك فإن الاتحاد يرغب في أن "يكون جزءا من عالم منفتح ومنظم تكون فيه المنافسة منظمة. وذاك أفضل من قانون الغاب". ويتعرض المسؤولون الأوروبيون لضغط سياسي شديد من الأوساط العمالية التي تلاحظ هجرة المؤسسات الصناعية من #أوروبا إلى آسيا والأسواق الناشئة التي تقل فيها كلفة الإنتاج عن مستواه في الدول الصناعية. ويعوِّلُ الرئيس ماكرون إلى حد كبير على دعم #المستشارة_الألمانية من أجل وضع تشريعات مشتركة تحد من تنافسية الدول الشرقية داخل السوق الواحدة، وتحول أيضاً دون إغراق السوق الأوروبية بالمنتجات الآسيوية.

وأشارت أنجيلا ميركل إلى أن "الخطاب الحمائي (الحماية) قائم ويثار في نقاشات عدة". وشددت على "التزام الاتحاد الأوروبي بالتجارة الحرة، ولكن في إطار منظم" من خلال الاتفاقات الثنائية والمتعددة الأطراف.

وتتهيأ المستشارة ميركل إلى خوض الانتخابات العامة في الخريف المقبل وترجح عمليات الاستطلاع فوز حزبها بالمرتبة الأولى، وذلك على رغم سياسات الانفتاح أمام تدفق اللاجئين وتعرضها لانتقادات شديدة في العامين الماضيين. لكن الأحداث دلَّت على صواب رأي المستشارة وقدرتها الريادية ورفضها مسايرة خطابات التخويف التي حاول اليمين المتطرف (حزب البديل الألماني) بثَّها في صفوف الرأي العام مستخدما أزمات الهجرة و #تدفق_اللاجئين ضد حزب ميركل الديمقراطي المسيحي.

وتسعى المستشارة (62) مع الرئيس الفرنسي الشاب (39) إلى تفعيل محور باريس – برلين الذي مثَّل محرِّك القاطرة الأوروبية على مدى العقود الماضية، وخاصة إنجاز السوق الواحدة في 1986 والاتحاد النقدي في 1992 وصدور العملة الواحدة في 2000.

وقد أنجزت ألمانيا الإصلاحات الضرورية وتقود توجهاً حازماً في قضايا ضبط الموازنة وتحرير سوق العمل. لكنها لا تتجاهل تضرر فئات اجتماعية من تداعيات العولمة ومنافسة القوى الناشئة في آسيا.

وأكدت ميركل على "وجوب أن يرد الاتحاد على مقتضيات العولمة من خلال تأمين النمو الاقتصادي وتحصين الأمن الداخلي وحماية الحدود الخارجية".

الإخلال بمبدأ التضامن الأوروبي

وتتفق ألمانيا وفرنسا حول تعزيز حماية الحدود الخارجية من تدفق موجات الهجرة غير الشرعية المتواصلة خاصة عبر ليبيا. وينتظر أن تحتل مشكلة الهجرة الإفريقية حيزاً في نقاشات #مجموعة_العشرين يومي 7 و8 يوليو/تموز المقبل في هامبورغ في ألمانيا، إضافة إلى قضايا مكافحة الإرهاب والتجارة الحرة وتداعيات العولمة والتغير المناخي.

وتدفع ألمانيا وفرنسا باتجاه دعم خطط التنمية في الدول الإفريقية المصدرة للهجرة. لكن الاندفاع السياسي الذي تبديه فرنسا من خلال توليها قيادة الحرب ضد الإرهاب في شمال مالي، من ناحية، والدعم الذي تقدمه ألمانيا والجهود الأخرى التي تبذلها المفوضية الأوروبية، يبدو منقوصاً بسبب عدم تنفيذ الدول الأوروبية الوعود المالية التي قدمتها في اجتماع القمة الأوروبية الإفريقية في نهاية 2015 في مالطا.

وكشف رئيس المفوضية جان كلود يونكير أن المفوضية سخرت قيمة 1.8 مليار يورو من قيمة صندوق الدعم الذي حددت قيمته 3.6 مليار. لكن الدول أعضاء الاتحاد لم تسدد ما عليها (1.8 مليار). وقال يونكير إن الدول الأعضاء وعدت تقديم 200 مليون وسددت 89 مليون فقط. وأضاف أن دولتين ليستا عضوين في الاتحاد هما سويسرا والنرويج دفعتا للصندوق ما قيمته ثلاثة أرباع ما قدمته الدول الأوروبية.

نقص معونات التنمية والاستثمار في إفريقيا و #أزمات_المناخ، التصحر والجفاف، ستظل تشكل مصدراً دائماً للهجرات نحو الشمال. والدول الأوروبية، بعضها لا يفي بالتزاماته والبعض الآخر يرفض قطعاً احتضان اللاجئين وأقله المساهمة في تخفيف العبء الذي تتحمله اليونان و#إيطاليا المحطتان الرئيسيتان لوصول المهاجرين.

وتشير المفوضية إلى أن 15000 لاجئ فقط من أصل 160 ألف تم توطينهم في الدول الأوروبية منذ خريف 2015. ورفضت كل من التشيك وبولندا والمجر تنفيذ الالتزامات التي قطعتها في القمة الأوروبية في خريف 2015، بشأن المساهمة في تنفيذ خطة توزيع 160 ألف لاجئ بين دول الاتحاد الـ28. واضطرت المفوضية، بصفتها راعية المعاهدة الأوروبية، إلى رفع قضية ضد الدول الثلاث لأنها كلها رفضت تنفيذ التشريعات الأوروبية بشأن احتضان اللاجئين. بينما احتضنت ألمانيا أكثر من نصف مليون مهاجر.

وقالت المستشارة ميركل إنه لا يسعها اللامبالاة إزاء تدفق المهاجرين كل يوم على شواطئ إيطاليا واليونان. وقالت "أضع نفسي مكان رئيس الوزراء الإيطالي حيث تستقبل بلاده المهاجرين واللاجئين كل يوم. ولا أحس بالراحة كوني أجلس في وسط أوروبا، بعيداً عن شواطئ وصول زوارق المهاجرين". ويعكس كلامها جزءاً من المرارة التي يحسها الإيطاليون واليونانيون أمام نقص تضامن الشركاء في تحمل عبء الهجرات المتواصلة.