عاجل

البث المباشر

مستشار أردوغان: فكر سيد قطب ميراث عالمي وإلهامات ربانية

المصدر: الرياض - هدى الصالح

يستمر التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش" في مجهوداته لإلحاق الهزيمة الدائمة بالتنظيم المتطرف في العراق وسوريا، ليس فقط على الصعيد العسكري، وإنما أيضاً بالخطوات التالية لتدمير الشبكات العالمية التابعة للتنظيم وفروعه خارج العراق وسوريا.

يذكر أن التحالف الدولي شكلته الولايات المتحدة الأميركية في 2014 بعد سيطرة عناصر التنظيم المتطرف على مساحات شاسعة من أراضي سوريا والعراق، وقامت بتجنيد آلاف من المقاتلين من الرجال والنساء.

والمثير للسخرية أنه في الوقت الذي تتم فيه محاربة "داعش" من قبل القوى العالمية، تعكف تركيا العضو في حلف "الناتو" على الاحتفاء بسيد قطب، الرمز الأول لتنظيم "داعش"، وأمثاله من رموز الإرهاب التي تطمح إلى إنشاء ما يسمونها "دولة الخلافة الإسلامية"، وإحياء ما وصفه سيد قطب بـ"الفريضة الغائبة" أو "الجهاد" بشقيه "جهاد الدفع والطلب"، للثورة على النظم السياسية في الداخل وعلى النظام العالمي الذي اعتبره سيد قطب نظاماً كافراً يستوجب قتاله.

تجسد ذلك من خلال احتضان تركيا، وبإشراف رسمي من قبل حزب "العدالة والتنمية" بزعامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لندوة عالمية حول سيّد قطب، لإحياء الذكرى الخمسينية على تنفيذ حكم الإعدام بحقه، وذلك في أكتوبر/تشرين الأول 2016، في مركز "علي أميري" الثقافي في جامعة "ماردين"، وسط مدينة إسطنبول، ومن تنظيم عمادة كلية الإلهيات بجامعة "سرت" التركية في ولاية باتمان.

ووفقاً لما نشرته مديرية الصحافة والنشر لجامعة "ماردين" الإسلامية – التركية (تأسست في العام 2007 من قبل الحكومة التركية الحالية "حزب العدالة والتنمية")، فقد لاقى الاحتفاء بسيد قطب إشادة بالغة من قبل مسؤولي حزب "العدالة والتنمية"، كان على رأسهم نائب رئيس الوزراء بن علي يلديرم، ووزير العدل، إضافة إلى نائب رئيس حزب "العدالة والتنمية".

وكما جاء في الموقع الرسمي للجامعة: "أرسل بعض رجال الدولة برقية التهنئة إلى المؤتمر مثل رئيس الوزراء بن علي يلديرم ووزير العدالة يكر بوزداغ، ووزير العمل عمر مؤذن أوغلو، ووزير التعليم عصمة ييلماز، واشترك نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الأستاذ دكتور ياسين آقتاي وألقى بحثاً بعنوان (المحلية والعالمية في فكر سيد قطب)".

آقطاي: فكر سيد قطب ليس ملكاً للمصريين وحدهم

وكان مستشار الرئيس التركي والمتحدث باسم حزب "العدالة والتنمية" ياسين آقطاي قد شدد في بحثه على أن "فكر سيد قطب ليس ملكاً للمصريين وحدهم إنه ميراث عالمي بجب الاستفادة منه"، مضيفاً أن: "سيد قطب دعا إلى تأسيس الجيل القرآني الرائد، وله ثواب في اجتهاداته التي أصاب بها أو أخطأ، ولا يمكن بالطبع تقديس سيد قطب ولا كتبه، لكن من الممكن النظر إلى خواطره على أنها إلهامات من الله سبحانه وتعالى".

أما رئيس مستشارية رئاسة الحكومة التركية بكر كاراغا، فقد أثنى على ما حققته أعمال سيد قطب من منعطف جديد في القرن العشرين وقال: "نحن مدينون لهذا الرجل الذي أسس جيلاً جديداً وقدم فكره للتضحية بالذات والنفس".

وذهب رئيس جامعة "ماردين - آرتوقلو " أحمد آغيرآقجا، إلى ما هو أبعد من الاحتفاء ، وذلك بالتأكيد على دور سيد قطب في بعث الصحوة الإسلامية بتركيا، وذلك من خلال بحث له بعنوان "إسهام سيد قطب في الصحوة الإسلامية في تركيا"، قال فيه: "رغم مرور 50 عاماً على شهادته، فإن الكثير من الشباب يقرؤون كتب سيد قطب ويُنشؤون ويتكاملون بها (...) إن سيد قطب أنشأ جيلاً جديداً في العالم الإسلامي بأفكاره وشجاعته وثباته، حتى آثر على أفكار الذين لا يحبونه ولا يفكرون مثله فاستفادوا من منهجه وآثاره (...) قبل 20 سنة نظمنا مؤتمر سيد قطب باسم وقف العرفان عام 1996 وفي عام 2006 باسم جمعية المدنية واليوم نظمناه باسم جامعة ماردين آرتوقلو، وهذا المؤتمر العالمي بمساهمة العلماء والمتخصصين الكرام سيكون مفيداً وسيجعل ذكرى شهادته حية وسيعرّف الشهيد من نواحي مختلفة".

كيف كشفت الندوة احترام الأتراك لسيد قطب؟

وبدى الانصهار القطبي مع الإسلام السياسي التركي الذي يتزعمه اليوم حزب "العدالة والتنمية"، جلياً فيما جاء على لسان المترجم الشفوي الخاص بالمؤتمر، التونسي زبير خلف الله، المختص في التاريخ العثماني والشؤون التركية بإسطنبول، حيث قال: "الندوة كشفت احترام الأتراك لسيد قطب وعمق حبهم له ولفكره ولثباته، وعلى الرغم من التعب الشديد للترجمة الفورية على مدار يومين كاملين من الصباح إلى المساء، إلا أني والله لقد كنت أستمتع بمشاهد الحب والوفاء لسيد قطب من قبل المحاضرين ومن قبل المشاركين في هذه الندوة، وكنت مستمتعاً أكثر بتبني الدولة التركية لندوة الذكرى الخمسين لاستشهاد سيد قطب، وعلى أعلى مستوى، من أردوغان إلى مستشاريه".

وأضاف: "الشيء الذي جلب انتباهي خلال عملية الترجمة الفورية لهذه المحاضرة هو اعتراف هؤلاء المحاضرين بقوة تأثير فكر سيد قطب في الحركة الإسلامية التركية، وكذلك تأثيره في النخبة الفكرية التركية على اختلاف مشاربها (...) لقد كنت أتابع وأنا أترجم محاضرات المتداخلين حول سيد قطب الذي استشهد في سبيل أفكاره ومبادئه (...)، كيف نجح هذا الرجل في أن يشكل الأسس الفكرية والبنيوية لأبناء المشروع الإسلامي التركي، وكيف أن أفكاره لم تمت بل ساهمت في صناعة مشاريع سياسية من بينها المشروع السياسي المعاصر في تركيا".

بالمقابل اعتبر إحسان سرما، رئيس جامعة "سرت" التركية أن أفكار سيد قطب كانت قد فتحت الطريق إلى تأسيس الحركة الإسلامية الجديدة، مضيفاً: "هناك الكثير من الحركات السياسية استفادت من فكره الذي ساهم في تشكيل وإحياء أجيال جديدة، لأنه أثر في أفكار الكثيرين، والشباب اتخذوه نموذجاً لحياتهم، لأنه علّمنا أن نتخلص من الجاهلية والظلم.. قطب علمنا كيف تعود الأمة إلى وعيها، ونحن اليوم في الذكرى الـ50 له ونريد أن نحيي ذكراه ولن ننساه أبداً".

وأضاف: "الشيء الذي جلب انتباهي خلال عملية الترجمة الفورية لهذه المحاضرة هو اعتراف هؤلاء المحاضرين بقوة تأثير فكر سيد قطب في الحركة الإسلامية التركية وكذلك تأثيره في النخبة الفكرية التركية على اختلاف مشاربها (...) لقد كنت أتابع وأنا أترجم محاضرات المتداخلين حول سيد قطب الذي استشهد في سبيل أفكاره ومبادئه (...) كيف نجح هذا الرجل في أن يشكل الأسس الفكرية والبنيوية لأبناء المشروع الإسلامي التركي وكيف أن أفكاره لم تمت بل ساهمت في صناعة مشاريع سياسية من بينها المشروع السياسي المعاصر في تركيا".

ولا يرى المترجم الشفوي الخاص زبير خلف الله، في المؤتمر مناسبة للاحتفاء فقط بسيد قطب، وإنما هي بالواقع مساهمة "في صناعة وعي جديد وتجربة سياسية رائدة تدافع عن الحرية والقيم في تركيا"، مضيفاً: "سيد قطب يساهم في بناء تركيا الحديثة وعبدالناصر يدمر مصر في العصر الراهن، مفارقة عجيبة فعلاً أن ترى انتصار سيد قطب وفكره خارج وطنه الذي استشهد من أجله".

يشار إلى أن خصائص التصور الإسلامي لسيد قطب، ومقوماته وتحولها إلى دعائم للجماعات المتطرفة في تكفير المجتمعات الإسلامية وقتالها، كانت جلية فيما توصل له عبر أدبياته حول "الحاكمية والجاهلية"، والشهادة في ذلك لا تقتصر على ما جاء من قبل خصومه ومنتقديه، وإنما كانت أيضاً من قبل تلامذته ومريديه. فكما قال يوسف القرضاوي عن قطب في تكفيره للمجتمعات الإسلامية، في كتابه "أولويات الحركة الإسلامية"، صفحة 110: "في هذه المرحلة ظهرت كتب سيد قطب التي تمثل المرحلة الأخيرة من تفكيره بتكفير المجتمع وإعلان الجهاد الهجومي على الناس كافة".

لماذا كفّر سيد قطب الحكام؟

كذلك قال فريد عبدالخالق، عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين في كتابه "الإخوان المسلمين في ميزان الحق"، صفحة 115: "إن نشأة فكرة التكفير بدأت بين بعض الشباب الإخوان في سجن القناطر في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، وهم تأثروا بفكر سيد قطب وكتاباته وأخذوا منها أن المجتمع في جاهلية، وأنه (قطب) قد كفر حكامه الذين تنكروا لحاكمية الله (عز وجل) بعدم الحكم بما أنزل الله ومحكوميهم إذا رضوا بذلك".

وكما يشار أيضاً أن تنظيم "داعش" اعتمد بشكل كلي على أدبيات سيد قطب، وهو ما تجسد في كلمات قادة التنظيم بداية بأبي بكر البغدادي، وما دون من جداريات "قطبية" على المباني والأسوار في المدن التي سيطر عليها التنظيم وعلى رأسها الرقة والموصل، بالإضافة إلى ما كان من أدبيات مقاتلي وأنصار "داعش" التي روج لها على مواقع التواصل الاجتماعي. وكان أبرزها ما اعترف به أمير جبهة النصرة والنائب السابق لأبي بكر البغدادي، أبو محمد الجولاني، في يونيو 2015 خلال حواره عبر إحدى الفضائيات، بتدريسهم كتب جماعة الإخوان لطلابهم، وخاصة فكر القيادي الإخواني الراحل سيد قطب لدعمه الجهاد وقتل الفئات الكافرة. وأضاف الجولاني أنهم يرون أن جماعة الإخوان جماعة جهادية، وأن جبهة النصرة منبثقة من فكر حسن البنا، مؤسس الإخوان.

وكان الحساب التابع لأحد عناصر تنظيم "داعش"، والذي حمل اسم "قادمون"، قد آثر اقتباس إحدى عبارات سيد قطب قائلاً: "إن جيلاً زرعته يد الله، لن تحصده يد البشر"، وخرج حساب جلاب الشمري بجملة أخرى: "الجاهلية المنظمة لا يهزمها سوى إسلام منظم". وقال أبو عزام في حسابه مقتبساً إحدى عبارات سيد قطب: "إن هذه الجيوش العربية التي ترونها ليست للدفاع عن الإسلام والمسلمين وإنما هي لقتلكم". وفي اليمن حين سقط أحمد فاروق في مايو 2015 بغارة أميركية نعاه تنظيم القاعدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأنه "خليفة سيد قطب" و"قطب الثاني".

ويأتي هذا الترويج لرمز الجماعات التكفيرية من قبل النظام التركي الحالي، بوصفه تجسيداً مثالياً للإسلام العصري الليبرالي، حري بدول الشرق الأوسط تقليده ودعمه كما روج الغرب، وخصوصاً إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، والسؤال الواجب طرحه هنا: هل ببعث وإحياء سيد قطب من قبل النظام التركي الحالي تكون الثمار المرجو حصادها مما يسمى بمشروع "عقلنة" جماعات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، بحسب ما كُلف به حزب "العدالة والتنمية" منذ سنوات من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية؟

إعلانات