مجلة "بوليتيكو": هل يمكن لداود أوغلو أن ينقذ تركيا؟

نشر في: آخر تحديث:

تعاني تركيا من ركود اقتصادي وبطالة وتضخّم، فيما خسر حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات قيادة المناطق الحضرية الكبرى، وكان آخرها الهزيمة الساحقة في إعادة التصويت في انتخابات إسطنبول المحلية أوائل هذا الأسبوع، مما زاد سقف التوقعات بالدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة، وطرح الكثير من التكهنات بشأن من يخلف الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي بدأ المواطن التركي يدرك أنه ضعيف، بعد عقد من الحكم القمعي.

نشرت مجلة "بوليتيكو" مقالاً أعده الباحثان، سنان سييدي المدير التنفيذي لمعهد الدراسات التركية، وستيفن كوك كبير الباحثين في برنامج "إيني إنريكو ماتي" لدراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية؛ يكشف أن الكثير من المعطيات على الساحة التركية حاليا لم تعد تسمح بارتقاء الوجوه القديمة، خاصة أن الكثير منهم اشترك بقناعة تامة في تنفيذ قرارات وسياسات أردوغان القمعية والاستبدادية.

من بين الوجوه القديمة، برز مؤخرًا على الساحة منافس لأردوغان هو أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية السابق لأردوغان، ورئيس الوزراء – والذي سبق أن اختاره بنفسه كخليفة له – وهو الذي أحدث أيضا ضجةً قويةً هذا الربيع من خلال انتقاده لاستحواذ راعيه السابق أردوغان على مقاليد السلطة في يده، معلنًا التخطيط لإقامة حزب جديد خاص به.

هل يعول عليه؟

طرحت وسائل الإعلام التركية سؤالا: هل يمكن لداود أوغلو في نهاية المطاف التخفيف من إحكام قبضة حزب العدالة والتنمية على تركيا ويعيدها إلى طريق الإصلاح الديمقراطي؟

وتأتي أسباب الإجابة بأن داود أوغلو لا يمكن اعتباره الرجل الإصلاحي القادم في تركيا، حيث قال كاتبا المقال إنه من المؤكد أن داود أوغلو يطرح نفسه كبديل إصلاحي لأردوغان، أو أنه لم يكن ليقدم على انتقاد حزب العدالة والتنمية مؤخرًا قائلا: إنهم "حفنة أشخاص تسعى إلى تحقيق أهداف ذاتية وباتوا عبيدًا لطموحاتهم". ولكن عندما يتعلق الأمر بإصلاح تركيا، فإن كاتبيْ المقال سييدي وكوك يؤكدان: "لا تعولوا عليه، إذ أنه حتى لو استطاع داود أوغلو كسب جمهور كبير يؤيده، فهو ليس بشخص إصلاحي حسبما يصور نفسه".

فبينما كان داود أوغلو يتولى حقيبة الخارجية، من عام 2009 إلى عام 2014، كان الغرب مفتونًا بتركيا باعتبارها "نموذجًا" يحتذى للمنطقة المحيطة بها وزعيمًا محتملاً في العالم الإسلامي، لكن داود أوغلو استخدم سلطته لتهميش الدبلوماسيين المحترفين وتسييس الوزارة، ثم نفذ، كرئيس للوزراء في الفترة من 2014-2016، عن طيب خاطر، حملةً قمعيةً ضد المنشقين أعدّها وأدارها أردوغان.


واقعة تمنح فكرة عن أوغلو

يسرد كاتبا المقال أنهما في الآونة الأخيرة، كانا إلى جانب زملاء لهم ضحايا لسلبيات سياسة داود أوغلو العقابية بشكل مباشر، ويشير الباحثان إلى أنهما شغلا، على التوالي، منصب المدير التنفيذي وعضو مجلس إدارة معهد الدراسات التركية ITS، المعروف بشكل محدود على النطاق الجماهيري، ولكن حصاده يتمثل في إثراء دراسة التاريخ والسياسة والاقتصاد والثقافة التركية في الولايات المتحدة منذ 4 عقود تقريبًا، والإسهام في زيادة عدد الجامعات التي تقوم بتدريسه لتمتد إلى 45 ولاية إضافة إلى واشنطن العاصمة، بفضل الجهد والتمويل المقدم من المعهد إلى حد كبير.

جاءت الموارد المالية لـ ITS من صندوق أنشأته الحكومة التركية في عام 1982، ولسنوات عديدة، لم تتدخل السلطات في أنقرة بشكل مباشر في عمل مجلس أمناء المعهد، الذي يتكون من أكاديميين أميركيين تقريبًا، سواءً فيما يتعلق بالبرامج أو تقديم المنح، باستثناء مناسبات قليلة قدم فيها السفير التركي اقتراحات تتماشى مع سياسات أنقرة، وحافظ مجلس الأمناء على استقلاليته معظم الأوقات.

طرأ التغير على هذا الوضع في عام 2015، وفقًا لمصادر في السفارة التركية في واشنطن ووزارة الخارجية في أنقرة، الذين تحدثوا إلى أحد كتاب المقال، قائلين إن داود أوغلو بموجب صلاحياته كرئيس للوزراء أنهى صندوق تمويل المعهد، مما دفع المعهد إلى دوامة الانهيار لمدة 5 سنوات، حيث يفتقر المعهد لما يكفي من الجهات المانحة للتعويض عن التمويل المفقود، وسيغلق المعهد أبوابه في خريف عام 2020.


قطع التمويل

ووفقًا لهذه المصادر رأى داود أوغلو أنه من غير المقبول أن تعمل ITS بشكل مستقل عن أنقرة، وجاء قراره الذي تم نقله إلى قيادة المعهد في خريف عام 2015، أيضًا بعد أن رفض مجلس الأمناء طلبًا من السفير التركي للنظر في ضم أنصار لحزب العدالة والتنمية غير مؤهلين إلى عضويته، (ولم تقم السفارة التركية في واشنطن بالإجابة على طلب من مجلس ITS بالتعليق على دور داود أوغلو في إغلاق المعهد).

وفي الوقت نفسه، على مدار العقد الماضي، سعت أنقرة إلى ممارسة المزيد من التأثير على المنظمات التركية ذات الصّلة في واشنطن، بما في ذلك إنشاء مؤسسات فكرية ومنظمات غير حكومية تقدم بإخلاص وجهة نظر حزب العدالة والتنمية للعالم تحت ستار المنح الدراسية والبرامج الثقافية غير الحزبية.


"عمق استراتيجي" عتيق

ويوضح المقال أن قرار داود أوغلو وجّه ضربة قاتلة لمسيرة أكاديمية بحثية ناجحة للدراسات التركية في الولايات المتحدة، من عواقبها أنه سيكون من الصعب تدريب الأجيال القادمة من الخبراء في الشأن التركي، ويعد قرار إغلاق المعهد أحد الأمثلة التي تدلل على أن داود أوغلو لا يمكن اعتباره رجل الدولة الإصلاحي ذي التفكير الكبير، حسبما يحاول أن يقدم نفسه.

بُنيت شهرة أحمد داود أوغلو على كتابه "العمق الاستراتيجي" الذي أصدره عام 2001، جادل داود أوغلو في صفحات الكتاب الـ 584، بأن موقع تركيا يؤهلها لتكون قوة إقليمية وعالمية، وجادل الإسلاميون الأتراك الآخرون بأن تركيا يجب أن تكون قائدًا للدول الإسلامية الأخرى، يعتقد داود أوغلو أن على تركيا أن تقود الجماعات الإسلامية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بما فيها حركة حماس، وأدى التشديد على الإسلاميين إلى إزاحة وتأخر العديد من الدبلوماسيين الأتراك، الذين دعموا التوجه الغربي، الذي جعل تركيا شريكًا في حلف الناتو، و كانوا يأملون في أن تفوز تركيا بعضوية الاتحاد الأوربي، ولكن مع قيام داود أوغلو بزيادة جرعة الأساليب الغامضة في مجال السياسة الخارجية، استشهد الصحفيون والمحللون السياسيون من تركيا والغرب في مناسبات عديدة بمقاطع من كتاب "العمق الاستراتيجي".

بمجرد وصوله إلى الحكومة، أعطى داود أوغلو الأولوية لأجندته الإسلاموية، من خلال توظيف أفراد متشابهين في التفكير لشغل المناصب في وزارة الخارجية، وفي معظم الحالات، كان الدبلوماسيون المعينون حديثًا يفتقرون إلى معرفة وخبرة الدبلوماسيين المحترفين، الذين ازداد تهميشهم، وفقًا لما صرح به دبلوماسيون أتراك.


تسييس الكادر

وأدت هذه المحسوبية الإيديولوجية إلى شلّ السلك الدبلوماسي في تركيا، وقام الموالون لداود أوغلو، في وزارة الخارجية وبعثات تركيا في الخارج، بالعمل على استراتيجية كبرى تضع أنقرة في قلب العالم الإسلامي، ولم تلق الاستراتيجية إلا استجابة قليلة، إن وجدت، في الشرق الأوسط، ثم غادر عدد من أتباعه الوزارة مع داود أوغلو في عام 2014، ولكن تم تسييس كادر من الدبلوماسيين المحترمين، الذين كانوا يتمتعون بالاحترام في السابق، مما قوّض مكانة الوزارة وقدرتها.


مسؤول تنفيذي لحملة القمع

بعد 5 سنوات على رأس الدبلوماسية التركية، أصبح داود أوغلو رئيسًا للوزراء في عام 2014، عندما أصبح أردوغان رئيسًا، كان إنجازه الأساس في عامين، هو الإشراف على تنفيذ حملة قمع ردا على الكشف عن الفساد الحكومي رفيع المستوى، إن أردوغان اغتصب، بالفعل، الكثير من السلطات التنفيذية التي كانت مخوّلة لرئاسة الوزراء، لكن داود أوغلو وافق عن طيب خاطر على سجن الصحفيين والاستيلاء على الشركات الخاصة، وإغلاق المؤسسات الأكاديمية، وطرد موظفي الدولة من أعمالهم.

كما خولت حكومته "محاكم السلام الجنائية" التي تمتلئ بقضاة متعاطفين، لمقاضاة ضباط الشرطة والمدعين العامين المسؤولين عن التحقيقات في الفساد المزعوم الذي اقترفه 4 وزراء حكوميين، وبرّر داود أوغلو هذه الإجراءات بزعم أن الكشف عن المخالفات كان بمثابة "محاولة انقلاب" من قبل أتباع رجل الدين التركي فتح الله غولن، المقيم بالمنفى في ولاية بنسلفانيا الأميركية.


فتى أردوغان المُهمَل

وقع الخلاف بين داود أوغلو وأردوغان في عام 2016، ليس بسبب الأفكار أو المبادئ، بل بسبب السلطة، أصبح داود أوغلو مستاءً من كونه فتى أردوغان المُهمَل؛ بحسب ما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز"، ولكن أردوغان بدوره كان لا يمكن أن يتسامح مع رئيس الوزراء المبتدئ، الذي طلب أن يكون له لقاءات مع الرئيس باراك أوباما، وأن ينال الفضل لدوره في صفقةٍ مع الاتحاد الأوربي، دفع فيها الأوربيون مليارات الدولارات مقابل بقاء اللاجئين السوريين في الأراضي التركية.

في شهر مايو من ذلك العام، استقال داود أوغلو، وكان تصنيف تركيا في لجنة حماية الصحافيين في المركز الأول بعدما كانت في المرتبة العاشرة على مستوى العالم عند توليه رئاسة الوزراء، ويُعزى بالطبع الكثير من هذه الممارسات الاستبدادية إلى أردوغان، لكن داود أوغلو شارك عن طيب خاطر في هذا القمع وبرره علنًا.

مغازلة الأتقياء

حتى الربيع الماضي، امتنع داود أوغلو عن انتقاد الحكومة مباشرة، ولكن بعد أن خسر مرشح حزب العدالة والتنمية انتخابات بلدية إسطنبول في شهر مارس، أجبر أردوغان بشكل خشن المجلس الانتخابي الأعلى في تركيا على إبطال أصوات الملايين من سكان إسطنبول، على إثر مزاعم زائفة بخروقات انتخابية، والدعوة إلى إعادة التصويت، الذي جرى أمس الأول، واتهم داود أوغلو، تعليقا على هذه التحركات، مستشاري أردوغان في حزب العدالة والتنمية بمحاولة "الحكم كهيكل موازٍ".

حتى قبل الجدل حول عمدة اسطنبول، كانت هناك شائعات في تركيا بأن داود أوغلو سيشكل حزبًا جديدًا لتحدي أردوغان وحزب العدالة والتنمية، لقد كان يغازل المؤيدين في جميع أنحاء البلاد، وخاصة بين قاعدة حزب العدالة والتنمية للأتراك والأكراد الأتقياء، عندما حمل رسالة مفادها أن الديمقراطية تقوم على انتخابات حرة ونزيهة.

من الواضح أن هذا كان بمثابة بضع أنفاس من الهواء المنعش في الساحة السياسية القمعية في تركيا، حيث وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" في مقال عن الانقسامات داخل حزب العدالة والتنمية، داود أوغلو القاسي بأنه "كاريزمي".


آخر من تحتاجه تركيا

تميل الطريقة، التي أدار بها أردوغان وحزب العدالة والتنمية خلال العقد الماضي، إلى جعل الخيارات الأخرى تبدو جيدة إذا ما قورنت به. ففي تغريداته وبياناته حول انتخابات إسطنبول، ربما يبدو داود أوغلو مستنيرًا إيجابيًا مقارنة بغرور وسخط المسؤولين الأتراك ومؤيديهم، ولكن لا ينبغي لأحد أن يثق به، إن آخر ما قد تحتاج إليه تركيا هو أن يكون داود أوغلو الرجل السياسي القوي المقبل.