شهر مر على انفجار مرفأ بيروت المنكوب والطلاسم مستمرة

نشر في: آخر تحديث:

شهر مرّ اليوم على ما اهتز له العالم، وبسببه اتشح لبنان كله بكوكتيل من الرعب والقلق والحزن الشديد، حين انفجرت في 4 أغسطس الماضي أطنان من "نيترات الأمونيوم" كانت مخزنة في العنبر 12 بمرفأ بيروت، فقتل انفجارها 190 شخصا، وجرح وشوّه 6500 آخرين، وشرّد ربع مليون على الأقل، في كارثة قدّروا أن خسائرها قد تبلغ 15 مليارا من الدولارات، فيما المرفأ المنكوب لا يزال ينتظر إجابات على المستمر طلاسم وألغازا، برغم تحقيق مضى عليه شهر كامل.

وأهم ما يلفت الانتباه مما توصل إليه التحقيق الأولي حتى الآن، هو تقرير أرسله "جهاز أمن الدولة" قبل أسبوعين من الانفجار، إلى مكتب رئيس الجمهورية ميشال عون، كما إلى مكتب رئيس الوزراء حسان دياب، وطلب حماية ما في العنبر من نيترات، وصفها بأنها خطيرة "من المحتمل وقوع كارثة إذا انفجرت، كما يمكن استخدامها بتصنيع المتفجرات إذا سرقت لأن في أحد جدران العنبر فجوة، وبابه مكسور، مما يسمح لأي شخص بالدخول إليه" طبقا للوارد في التقرير الذي يبدو أن أحدهم من المسؤولين بالمرفأ، علم به، فظهر للمحققين سيناريو محتمل.


ملخص السيناريو أن من علم بالتقرير المؤرخ في 20 يوليو/تموز الماضي، أي قبل أسبوعين من الانفجار، خشي من وصول محققين للنظر بأمر العنبر وما فيه، لذلك كلف 3 عمال لإصلاح بابه المكسور وسد الفجوة بجداره الجنوبي، لا نزولا عما طلبه التقرير من خطوات لحماية النيترات، بل لقطع الطريق على اكتشاف المحققين لسرقات قامت بها "مافيا في المرفأ" من النيترات البالغ وزنها 2750 طنا، والدليل أنها بقيت منسية طوال 6 سنوات في العنبر، من دون أن يهتم بها أحد منذ وصلت في 16 نوفمبر 2013 على متن سفينة جاءت من دولة جورجيا وعبرت البحر الأسود إلى الأبيض المتوسط، بنية عبور قناة السويس لتسليم الشحنة إلى شركة في الموزمبيق.


"من صنع إنسان"

ومما قاله مقرّب من التحقيق، تحدث إلى صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قبل أسبوعين، مشترطا عدم الكشف عن هويته، بحسب ما طالعته "العربية.نت" في موقع الصحيفة، أن العمال الثلاثة اشتغلوا في العنبر بدءا من 31 يوليو حتى اليوم الذي حدث فيه الانفجار، وغادروا إلى منازلهم عند بدء حريق شب، ربما من شرارات عملية لحام كانوا يقومون بها في بابه المكسور، وعلى أثر الحريق تم استدعاء خدمة الإطفاء الساعة 6 إلا 10 دقائق بعد ظهر 4 أغسطس الماضي.


ولم يتمكن رجال الإطفاء من دخول العنبر لمكافحة النار التي امتدت الساعة 6 و8 دقائق إلى النيترات، فانفجرت بقوة دمرت عددا من الأحياء القريبة، وقتلت فتاة و9 رجال من جهاز الإطفاء، وهم من نسمع أحدهم يدعو زميله في الفيديو المرفق لفتح باب العنبر بعد أن وجدوه مغلقا بإحكام شديد حين وصلوا، فحاولوا ما أمكن ولم يفلحوا.

كما وجدوا الفجوة وقد تم لحمها، وهي التي يميل التحقيق إلى أنها "من صنع إنسان" وعبرها ظهرت أكياس من "نيترات الأمونيوم" في صورة سبقت الانفجار وأصبحت شهيرة بعده. أما الذين لديهم مفاتيح العنبر، من العاملين بالمرفأ، فلم يكونوا فيه ساعة الحريق، لأنهم أنهوا عملهم وعادوا إلى منازلهم.

واتضح من التحقيق أن العنبر لم تكن فيه "نيترات الأمونيوم" فقط، بل أيضا كيميائيات ومتفجرات، منها "كيروسين" وزيوت غازية، مع 25 طنا مفرقعات وألعاب نارية، إضافة إلى ما طوله 8 كيلومترات من صمامات انفجارية تستخدم بالتعدين والكسارات المستخرجة المحاجر، كما والمذيبات لتجريد الطلاء، بحسب ما ذكره غسان عويدات، المدعي العام اللبناني، مضيفا للصحيفة أنه أمر بصفته قاضيا، إغلاق العنبر "بطلب من جهاز أمن الدولة" ولم يكن عالما بمحتوياته ولا المخاطر التي تشكلها النيترات عندما طلب الجهاز إذنه لحماية العنبر، وشرح أنهم اتصلوا به لخشيتهم من السرقة" فأخبروني عن النيترات، ولم يخبروني بوجود مواد أخرى، فأبلغتهم بتأمين المكان وإغلاقه حتى لا يتمكن أحد من سرقته" كما قال.

أما الحريق المستمر سببه الأكيد مجهولا، فالاحتمال الأول هو أن سببه شرارات اللحام الذي قام به العمال الثلاثة، وهم سوريون غادروا الميناء قبل الانفجار وتم اعتقالهم بعده، فيما الاحتمال الثاني هو ما ألمحت إليه "العربية.نت" في الفقرات السابقة، من أنه تم عمدا لإخفاء أدلة على سرقات كميات من النيترات طوال سنوات، لذلك يحقق "جهاز أمن الدولة" بالاحتمالين، في معرض استمرار التحقيق للوصول إلى إجابات على أسئلة مهمة أيضا، لا تزال من دون إجابات.


يورك وايغور في مواقع التواصل

من الأسئلة: من هو المالك الحقيقي للنيترات، ولماذا تخلى عنها ولم يطالب بها حين احتجزت السلطات اللبنانية السفينة Rhosus التي نقلتها، ولماذا لم يقم على الأقل ببيعها لمن قد يرغب بشرائها، وإلى أين كانت وجهتها الحقيقية، وهل تم تحويلها عمدا إلى بيروت، نيابة ربما عن أحد أطراف النزاع في سوريا ذلك الوقت؟ ولماذا تخلى مالك السفينة عنها، وهو الذي كان بإمكانه بيعها "سكراب" إذا أراد، ومن دفع له مليون دولار مسبقا لينقل الشحنة إلى شركة Fábrica de Explosivos Moçambique لصنع المتفجرات بموزمبيق، مع أنها نفت علمها بها أصلا.

ومن المعروف أن مالك السفينة التي كانت ترفع علم مولدوفا، وهو الروسي Igor Grechushkin المولود قبل 43 سنة ببلدة Vanino المطلة في أقصى الشرق الروسي على اليابان، والمقيم مع زوجته Irina وأولاده الثلاثة منها بقبرض، حيث يدير شركة مسجلة في بنما، كانت تملك السفينة التي مرت ببيروت للبقاء يوما، تنقل خلاله شحنة إضافية من 5 حاويات و8 شاحنات إلى ميناء العقبة بالأردن، لكن قبطانها وجدها ثقيلة جدا على سفينته، طبقا لما طالعته "العربية.نت" مما قاله لوسائل إعلام متنوعة فيما بعد، ثم ظهر لبناني أثبت أن "إيغور غريشوشكين" مدين له بمبلغ من المال، لذلك احتجزتها السلطات المحلية إلى أن يدفع.

أما أهم ما يركز عليه فريق التحقيق

ولأنه لم يسدد ما عليه، وتخلى في الوقت نفسه عن السفينة وحمولتها، لذلك سمح قاض بتفريغ ما فيها من نيترات "لأنها معرضة للغرق" وفق الوارد بتاريخ 27 يونيو 2014 بأمر أصدرته المحكمة ذلك التاريخ، وعندها وجدت النيترات طريقها على مراحل إلى العنبر 12 المخصص للمواد الخطرة، فخزنوها فيه، ثم تركوا Rhosus تواجه مصيرها من دون أن يهتم لأمرها أحد، فراحت تتآكل طوال عامين كانت راسية خلالهما خارج سور المرفأ، إلى أن ابتلعتها المياه.

وأهم ما يركز عليه فريق التحقيق المكون من لبنانيين وفرنسيين، كما من FBI الأميركي، هو معرفة ما تم بيعه من نيترات، فيما لو امتدت إليها أيدي السارقين من "مافيا المرفأ" كما يسمونهم، لذلك تم رفع قوانين السرية المصرفية عن 11 مسؤولا تم اعتقالهم، ولهم صلة بالمرفأ، واستمر البحث في السجلات عما إذا تلقى أي منهم مالا من الخارج، لإلزامه أن يجيب عن سبب التحويل الذي يمكن التعرف إلى هوية صاحبه بكبسة زر.