أمريكا: سلاح «الإعلام» النووي!

أحمد الفراج

نشر في: آخر تحديث:

لا أحد يستطيع منافسة الأمريكيين، عندما يتعلق الأمر بالعمل التنظيمي، والمهنية، والاحتراف الإعلامي، وأمريكا تستخدم سلاح الإعلام بكل كفاءة، فهو النسخة الناعمة للسلاح النووي، وليس غريباً أنّ العالم أجمع يتابع مقالات وتقارير كبريات وسائل الإعلام الأمريكية، كقنوات سي ان ان، واي بي سي، وسي بي اس، وصحفاً راقية، مثل الواشنطن تايمز، والواشنطن بوست، ونيويورك تايمز، وغيرها، فعندما تحشد هذه الوسائل مع أو ضد أي قضية، أو زعيم، فإنها تستطيع حرف مسار جميع وسائل إعلام العالم، والرأي العام، لتتبنّى وجهة نظرها، وتذكر ما فعلته وسائل الإعلام الأمريكية، عندما قررت أمريكا ضرب العراق واحتلاله، وكذلك موقفها من الثورات العربية، فهي أول من أطلق عليها اسم «الربيع العربي»!!، وتبع ذلك موقف الغرب السياسي، الداعم لهذه الثورات!.
لعبة الإعلام الأمريكي الاحترافية باستطاعتها أن تحشد الرأي العام وراء مرشح رئاسي، أو تدمر مستقبله، بكل سهوله، فقد استطاعت هذه الوسائل، وباحترافية عالية، أن تزف شخصاً مثل جورج بوش الابن لزعامة العالم، وهو الذي لم يكن يحلم بأكثر من منصب حاكم ولاية تكساس، المعقل التاريخي لآل بوش، وحتى والدة بوش الابن، السيدة باربرا بوش، لم تكن تعتقد أنّ ابنها مؤهل للرئاسة، إذ صرحت أنّ ابنها الآخر، جيب بوش، هو الأكثر تأهيلاً للرئاسة، وغنيٌّ عن القول إن بوش الابن بالكاد تم قبوله في جامعة ييل العريقة، بوساطة من والده، ثم بالكاد تخرج منها بتقدير مقبول، وهذه حقائق موثقة، ولكن المؤسسة العميقة، ووسائل إعلامها، صعدت به للرئاسة، ولفترتين متتاليتين .
وسائل الإعلام الأمريكية، التي صعدت بالرئيس بوش الابن، ثم بالرئيس باراك أوباما، هي ذاتها التي خسفت بسياسيين من عيار ثقيل، ودمرت مستقبلهم السياسي، لأسباب لا يعلمها إلا الراسخون في علم الدول العميقة، ومن أبرز هؤلاء، عضو مجلس الشيوخ البارز، قاري هارت، في انتخابات 1988، وقبله والتر مونديل، في انتخابات 1984، وبعدهما رون بول، في عدة انتخابات رئاسية، والسياسي الشهير من أصل عربي، رولف نادر، وهاورد دين، وغيرهم ممن لم تكن مشكلتهم في الكفاءة العملية والتأهيل، بل في تضاد بعض مواقفهم مع الدولة العميقة في الإمبراطورية الأمريكية.
لقد أبرزت وسائل الإعلام الأمريكية أعظم ما لديها، في مؤتمر الحزب الديمقراطي الأخير، لترشيح هيلاري كلينتون، وقبل ذلك، في مؤتمر الحزب الجمهوري، لترشيح دونالد ترمب، فقد كان كل شيء مرتباً بطريقة احترافية، لدرجة أنه لا يمكن لغير الخبير إلا أن يظن أن الأمر عفوي، وفي أمريكا، لا يوجد شيء اسمه «عفوي»، فكل حركة للخطيب، وكل كلمة، وإشارة، وتوقف، وابتسامة، تم ترتيبها، والتدريب عليها، من قِبل أعتى خبراء العلاقات العامة، وحتى حركة الكاميرات، وانتقالها من الخطيب للجمهور، واختيار اللقطات، وتوقيتها، كله أمر مرتب، وبالتالي تصبح مثل هذه المناسبات شيقة، وجاذبة، ومؤثرة.
الآن، وسائل الإعلام الأمريكية المحترفة قدمت المرشحين لرئاسة الإمبراطورية الأمريكية، الجمهوري دونالد ترمب، والديمقراطية هيلاري كلينتون، والجمهور الأمريكي شاهدهما في أبهى حلة، فمن يا ترى سيختار الشعب الأمريكي؟!، وأنت، عزيزي القارئ، من ستختار، إذا كنت قد شاهدت مؤتمري الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي؟!.

* نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.