عاجل

البث المباشر

"العربية" على متن طائرة الرئاسة الأميركية "اير فورس 2"

المصدر: من على متن الطائرة الرئاسية اير فورس 2 - ناديا البلبيسي

في الساعة السابعة مساء بدأت حافلة قديمة يقودها عسكري بالتحرك من بوابة تسمي فيرجينيا جيت نحو قاعة المغادرة في قاعدة اندروز العسكرية في ولاية ماريلاند، على متنها ١١ صحافيا منها العربية، المكان يعكس الطبيعة العسكرية للمطار المخصص لتنقل الرئيس ونائب الرئيس والوزراء. لا شيء هنا يوحي بالرفاهية، أذكر أننا استقللنا طائرة عسكرية من نفس المطار عام ٢٠٠٤ عندما قررت إدارة الرئيس جورج بوش الابن آنذاك السماح لأكثر من عشرين صحافيا بزيارة معتقل غوانتانامو في كوبا.

الرحلة اليوم هي مع #نائب_الرئيس الأميركي #مايك_بنس الذي سيزور ثلاث دول شرق أوسطية هي مصر والأردن وإسرائيل بعد مقاطعة فلسطينية للزيارة احتجاجا على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل واعتزام نقل السفارة الاميركية إلى #القدس.

بعد إتمام الإجراءات الأمنية المشددة سمح لنا بالاتجاه نحو الطائرة الرئاسية وهي من طراز بوينغ ٧٥٧، القسم الأخير من الطائرة يحوي ١٢ مقعدا مخصصا للصحافيين وموظفين اثنين للهجرة يهتمان بختم جوازات السفر، القسم الأوسط مخصص لرجال الشرطة السرية الموكلين بحماية نائب الرئيس وزوجته كارن، السيدة الثانية. أما القسم الآخر من مقدمة الطائرة فهو مقسم إلى مقاعد وطاولات يجلس عليها مستشارو الرئيس، بينما القسم الأول في المقدمة مخصص لنائب الرئيس وزوجته حيث تتحول المقاعد إلى سرير لشخصين، ما يعطي نائب الرئيس قسطا من الراحة في رحلات طويلة تصل إلى ١٤ ساعة عبر المحيط الأطلسي.

هذه هي المرة الأولى التي يسمح فيها بهذا العدد الكبير من الصحافيين المرافقين لنائب الرئيس، ففي العادة يرافقه اثنان أو ثلاثة فقط. مزايا مرافقته على طائرة خاصة هي بناء علاقات مع فريقه ومدير مكتبة عدا عن الإيجاز الصحافي المتواصل عند توقفنا في كل بلد، نائب الرئيس وزوجته يأتيان إلى خلف الطائرة، ويصافحان الصحافيين المرافقين ومن ثم يشرح لنا نائب الرئيس أهداف الرحلة والآمال المرجوة منها.

طاقم الطائرة هم من الذين يخدمون في الجيش وليسوا من المضيفين العاديين، ويعدون وجبات الطعام لنائب الرئيس ولكل من هم على متن الطائرة.

الرحلة تستغرق ١٤ ساعة حتى المحطة الأولى وهي القاهرة لذا على الطائرة التوقف بمطار شانون في أيرلندا للتزود بالوقود بعد ٧ ساعات من الإقلاع. قسط قليل من النوم حيث كانت هناك أخبار عاجلة عن توقف العمل في الدوائر الحكومية في واشنطن بسبب عدم التوصل إلى صفقة بين الديمقراطيين والجمهورين حول الموازنة العامة، الأمر الذي اضطر نائب الرئيس إلى إصدار بيان وبالتالي على الصحافيين المسافرين معه تغطية ردود الفعل، لكن هناك إشكالية لأن الطائرة خالية من الواي فاي لأسباب أمنية، ما اضطر مستشاري الرئيس إلى أن يمنحونا كلمة مرور سرية لمدة ساعة حتى يتمكن الصحافيون من إرسال الخبر.

عند توقفنا في مطار شانون في ايرلندا لاحظنا عددا كبيرا من الجنود الأميركيين وهم في طريقهم إلى أماكن انتشارهم في مناطق مختلفة في الشرق الأوسط وشرق آسيا، مما دفع نائب الرئيس وزوجته إلى الخروج للمطار وتبادل أطراف الحديث مع عدد من الجنود، وسمح لنا بتصويره.

خمس ساعات بقيت حتى الوصول إلى القاهرة. استقبلنا جو دافئ بعض الشيء عند الهبوط من سلم الطائرة على عكس صقيع واشنطن، الطائرة تهبط عادة في مدرج بعيد عن الطائرات المدينة ورجال الأمن يطوقون المكان، وعلينا أن نسرع الخطي للحاق بالموكب، أحيانا علينا أن نركض بسرعة حتي لا نتأخر، حيث يتم توزيعنا على سيارات دفع رباعية تصل إلى العشرين أو أكثر وتحمل نائب الرئيس و فريقه من المستشارين ورجال الشرطة، استقبال رسمي في المطار ومن ثم نتجه إلى قصر الاتحادية و هو مكتب الرئيس المصري عبد الفتاح #السيسي، شوارع #القاهرة خالية من المارة و كأن سكانها المقدرين بأكثر من 12 مليونا غادروا المكان .

قصر الاتحادية

عند وصولنا إلى القصر منعنا رجال الأمن من النزول من الحافلة وسط حالة من الفوضى ما دفع مستشارو بنس إلى التدخل واضطر نائب الرئيس والرئيس السيسي إلى إعادة التصريحات أمام الصحافيين المرافقين أمام الكاميرا. الإجراءات الأمنية مشددة والاعتذارات توالت باعتبار أن القاهرة لم تستقبل مسؤولا أميركيا رفيع المستوي منذ زيارة الرئيس السابق باراك أوباما الأولى عام ٢٠٠٩ في عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك، لذا لم يعرف رجال الأمن كيفية التعامل مع الصحافين المرافقين.

الجزء الأخير من الزيارة كان عشاء عمل في القصر بينما انتظرنا نحن في حافلات في حديقة القصر، المعظم منهمك في كتابة تقارير إخبارية على حاسوبه المتنقل، بينما امتلأ جزء من ممر الحافلة بعلب كرتونية تحتوي على ساندويشات من سمك التونة و شرائح الدجاج وزجاجات ماء، البعض كان يكتب بيد ويتناول الساندويتش باليد الأخرى الى حين تحركنا الى مطار القاهرة الدولي والتحاقنا بطائرة ايرفورس ٢ الجاثمة على مدرج المطار.

بعد حوالي ٤ ساعات في القاهرة، انتقلنا إلى الوجهة الثانية في الزيارة وهي عمان. طبعا على متن الطائرة يمكن للصحافيين ترك امتعتهم والاكتفاء بحمل الحاسوب أو حقيبة صغيره، المسافة قصيرة لكن في معظم توقفنا بين المحطات الثلاث يأتي المستشارون المرافقون له إلى نهاية الطائرة ويتحدثون مع الصحافيين ويتلقون أسئلة حول نتائج لقاء بنس مع القادة وأحيانا يأتي نائب الرئيس ويحدثنا ويجيب على أسئلتنا.

المسافة قصيرة بين دول الشرق الأوسط على عكس المدن الأميركية، وصلنا إلى مطار عمان الساعة التاسعة مساء، حتى اللحظة لم ننم في سرير منذ أن تركنا واشنطن ليلة الجمعة باستثناء سرقة ساعات هنا وهناك على الطائرة، لكن وصولنا إلى الفندق لا يعني الخلود إلى النوم فعلينا انتظار الحقائب التي تتأخر عادة وتأتي بشاحنات إلى الفندق بعد ثلاث ساعات من وصولنا إذا كنا من المحظوظين طبعا، وبالتالي لا يمكن للصحافي أن ينام إلا بعد وصول الحقائب.

الرسائل الإلكترونية لا تتوقف من مساعدي نائب الرئيس، "هذا هو برنامج لقاءه مع الملك عبدالله الثاني صباح الغد"، "عليكم التواجد في لوبي الفندق مبكرا حتي يتم تطبيق كل الإجراءات الأمنية" وغيرها.. هذه الرحلات ليست للراحة وعلى الصحافي أن يدرب نفسه للعمل بمعدل ٤ ساعات نوم فقط، وبوجبات طعام سريعة أن توفر الوقت، وبعدد لا نهائي من أقداح القهوة لتبقينا في حالة يقظة دائمة.

على الهواء مباشرة

في الصباح الباكر اتصل بي الزملاء في العربية من دبي حتى أكون معهم مباشرة من عمان، للأسف الواي فاي على هاتفي الجوال لا يعمل بالشكل المطلوب، فقررنا ان نعمل المقابلة على التليفون، لكن دائما المشكلة بالتوقيت، فاللقاء سيكون على الهواء تماما عندما أمر عبر البوابة الحديدية للتفتيش ورجال الشرطة يدققون في حقيبتي وأنا أسمع صوت زميلي محمد الطميحي يقول على الهواء مباشرة "ومعنا الآن الزميلة ناديا البلبيسي، المرافقة لوفد نائب الرئيس مايك بنس من عمان ". لا اعرف يمكن أن أركز وأجيب على الأسئلة وأنا في صف التفتيش وعليَّ الالتحاق بالموكب قبل تحركه إلى قصر الحسينية لتغطية لقاء الملك عبدالله. أمامي عشر ثوان وإلا سيتحرك الموكب ويتركني، الهاتف ملاصق لأذني واليد الثانية تحمل حقيبتي والكمبيوتر وأنا أسرع الخطي وألتقط أنفاسي، أحاول أن أكون هادئة على الهاتف. ما يسعفني هو خبرة سنوات طويلة من العمل تدفعني إلى سرعة الإنجاز.

بعد لقاء الملك، تم إبلاغنا بأننا سنستقل طائرة عسكرية أميركية لتحملنا إلى مكان مجهول لقاعدة عسكرية على الحدود السورية حيث سيجتمع نائب الرئيس بمجموعة من الجنود الأميركيين، قواعد التغطية واضحة وعلينا الالتزام بها، رغم أن خطاب نائب الرئيس أمام الجنود نقل حيا، لكن لا نستطيع إظهار المكان أو عدد الجنود.

الشمس بدأت بالاختفاء تدريجيا والمساء حل سريعا لكن ليس قبل الالتحاق بالموكب مرة أخرى والاطلاع على موقع عسكري آخر جثمت في وسطة طائرة اف ١٥ المقاتلة والتي تشارك في الغارات ضد تنظيم داعش. نائب الرئيس يتلقى أسئلة من الصحافيين المرافقين، البعض يسأل عن قرار اغلاق الحكومة الفيدرالية في واشنطن التي بدت بعيدة جدا عن مكان وجودنا.

الوقت تأخر ليلا ولن نستطيع الإقلاع بالطائرة الرئاسية، لذا بقينا على متن طائرة عسكرية من نوع سي ١٧ حملتنا إلى مطار تل ابيب في المحطة الأخيرة لنائب الرئيس. المقاعد مرصوصة إلى جانب بعضها في صف واحد وجندي يقدم لنا قطعا صغيرة من الاسفنج نضعها في اذننا بسبب الصوت العالي للمحركات، فهذه الطائرة لا تتمتع بأي شكل من أشكال الرفاهية، تنقل جنودا ومعدات وصحافيين مستعدين للمغامرة.

بنس في إسرائيل

الموكب حملنا من تل أبيب إلى القدس في طريق خال ومتعرج إلى أن وصلنا إلى فندق الكنج ديفيد حيث الإجراءات الأمنية المشددة وهي الأقصى في المحطات الثلاث. هذا الفندق الشهير الذي يقع في القدس الغربية شهد أول عمل إرهابي من قبل عصابات الارغون التي كان يرأسها رئيس الوزراء السابق مناحيم بيجن، وتم فيه استهداف حكومة عموم فلسطين البريطانية وقتل ٩١ شخصا عام 1946.

رجال الأمن ينتشرون في كل مكان، هناك غرفة تسمي غرفة الزيتون خصصت للصحافين المرافقين لنائب الرئيس، حيث يمنع دخول أي صحافي آخر غير صحافي البيت الأبيض، أحيانا ترافقنا الشرطة السرية للذهاب إلى الحمام وتنتظر في الخارج لتعيدنا إلى القاعة، بينما تشتم الكلاب البوليسية امتعتنا، ومعظم العاملين في الفندق من العرب لكنهم يتحدثون العبرية بطلاقة.

السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس قاطعا زيارة نائب الرئيس احتجاجا على قرار الإدارة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل واعتزام نقل السفارة الأميركية إليها قبل نهاية عام ٢٠١٩. وربما من المفارقة أن نائب الرئيس لم يلتق أي فلسطيني في هذه الزيارة، لكنة كان مرافقا لفلسطينيين اثنين على متن الطائرة وطوال الرحلة، أنا ومصور محطة "سي أن أن" الأميركية المولود في القدس.

هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اصطحاب صحافي أجنبي على متن طائرة نائب الرئيس، أو حتى هذا العدد من الصحافيين الذين يغطون البيت الأبيض وكانوا من قناة أن بي سي، واشنطن بوست، أل أي تايمز، أي بي، رويترز، بلومبيرغ، وول ستريت جورنال، إذاعة أن بي آر، وأنا .

أحد مستشاري نائب الرئيس قال لي إنه أوصي بأن أكون على متن الطائرة بعد الاطلاع على سيرتي الذاتية وكوني سأكون Foreign Pooler حيث يتوجب على إرسال تقارير يومية عن لقاءات بنس مع القادة وبأسرع وقت وبمنتهي بدقة إلى جانب عملي كمراسلة للعربية والحدث.

وظيفة ما يسمي بـ pool reporter تسمح له بحضور معظم اللقاءات لكن عليه أن يكتب ما يراه للجميع حيث توزع المعلومات على الآلاف من الصحافيين على قائمة البريد الإلكتروني للبيت الابيض.

كنت أتمنى أن أبقي في القدس أياما أطول وأن أزور قبر والدتي المقدسية المدفونة في مقبرة باب الأسباط في إحدى بوابات البلدة القديمة في القدس الشرقية، لكن إذا بقيت فسأحرم من "المعاملة الخاصة" التي ألقاها، لأنني ضمن فريق مراسلي البيت الأبيض، ووقتها لا جواز سفري الأميركي سيحميني ولا كوني أغطي البيت الأبيض، فقط سيعاملني الإسرائيليون كفلسطينية وستطبق عليَّ القوانين العسكرية في التنقل ونقاط التفتيش.

أعود إلى قاعدة اندروز العسكرية في ساعات صباح الأربعاء، حيث تنقلني سيارة أوبر عبر طرق واشنطن النائمة الساعة الثالثة صباحا، أرى النصب التذكاري للرئيس لينكون الذي أنهى العبودية عام ١٨٦٢.

الآن تبدو القدس بعيدة ومعها ذكريات طفولتي في أجمل مدن العالم، حيث قررت إدارة الرئيس دونالد ترمب أن تجعلها عاصمة لإسرائيل دون أن تأخذ رأي سكانها العرب (مسلمين ومسيحيين)، أجراس كنيسة القيامة وأذان الصلاة في المسجد الأقصى تحملها أصداء أصوات بعيدة عالقة في ذاكرتي وأغنية فيروز "لأجلك يا مدنية الصلاة أصلي". أسمع صوت سائق الأوبر يقول لي لقد وصلتي إلى البيت، طاب صباحك.

إعلانات

الأكثر قراءة