اعتراف بالقتل

عبده مباشر

عبده مباشر

نشر في: آخر تحديث:
نحن أمام قضية قتل عمدي مع سبق الإصرار والترصد مكتملة الأركان بعد اعتراف الدكتور عاصم عبد الماجد عضو مجلس شوري الجماعة الإسلامية باغتيال رجال جهاز مباحث أمن الدولة المنحل‏,‏ وأكد أن القتل تم ثأرا لشبابنا‏,‏ ولقد قتلنا من قتلهم‏.‏



قال ذلك مباهيا ومفتخرا بهذا الإنجاز الدموي أمام من حضروا المؤتمر الذي عقدوه بمدينة أسيوط في بداية شهر أكتوبر تحت شعار نصرة النبي محمد صلي الله عليه وسلم.

وهذه الجريمة لم ينفذها فرد, بل شاركت فيها الجماعة بالتخطيط واتخاذ القرار والاستعداد لوضعه موضع التنفيذ, ثم تولت الجماعات المنفذة الأمر بأعصاب باردة وقلوب متحجرة إرهابية علي امتداد أكثر من عشرين عاما, أدت إلي مصرع المئات من المواطنين الأبرياء ومثلهم من السائحين المستأمنين.

وعقب هذه الموجات العاتية التي زعزعت استقرار مصر وأثرت سلبا علي كل خطط التنمية الاقتصادية بدأت مرحلة كتب المراجعات ومبادرات وقف العنف.

وتدور عجلة التاريخ, وتصعد قوي التيار السياسي الإسلامي إلي سطح الحياة السياسية وتخوض معترك الحياة علي المسرح ويتصدرون المشهد السياسي وينشئون أحزابا سياسية لا هدف لها سوي السعي نحو دولة دينية تعود بنا إلي عصور تجاوزها الزمن, وجرجرة مصر والمصريين إلي بداوة لم يعد لها مكان وبدائية ترفض وتتجاهل حركة التطور والتقدم التي أنجزتها الإنسانية حتي الآن, ورغبة حارقة في الثأر.

ومثل هذه الجريمة تدين الجماعة ككل كما تدين القوي الأخري التي شاركت بدورها في ارتكاب جرائم تصفية الحساب والثأر من الشرطة بصفة خاصة وباقي مؤسسات نظام مبارك بصفة عامة.وإذا كناجميعا نرفض وندين كل عمليات التعذيب التي أقدمت عليها بعض أجهزة الشرطة, فإننا أيضا لا نقبل أن تستولي هذه الجماعة علي القانون وتقوم بدور القاضي والجلاد.

ولو أنها جماعة مسالمة فتطلع للمشاركة في الحياة السياسية, لاتخذت السبل القانونية لعقاب المخطئين من رجال مباحث أمن الدولة, وبالقطع هم يعلمون أن جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم. وكانت كل الظروف بعد نجاح ثورة52 يناير في صالحهم, وكانت الرياح المعادية للشرطة قد عصفت بها وأدت إلي انهيارها.

ولكنهم لم يلجأوا للقانون, بل لجأوا إلي أخذ ثأرهم بأيديهم. ويمكن القول إنهم عادوا قتلة مثلما بدأوا.

ومثل هذا الاعتراف الواضح بالقتل, وبصورة أخري العودة للقتل يثير أكثر من تساؤل, في مقدمتها كيف يمكن للشرطة ككل التعايش والعمل والقبول بمثل هذه المباهاة وهذا الفخر بقتل رجال منهم؟

وجريمة القتل لا يبررها أبدا الادعاء بأنها تمت في إطار الثأر من مجموعة من القتلة وكيف يشعر المواطنون بالأمان حاضرا ومستقبلا, وهناك من يعترف بارتكاب جريمة قتل, خاصة وهم يسعون لاحتلال مساحة ما من المشهد السياسي تحت مظلة شعارات دينية وسياسية براقة؟.

ألم يقرأوا في كتاب الله حرمة قتل النفس وحرمة الدماء؟ أم أن ما قرأوه لا ينطبق عليهم؟ أم أن هناك فتاوي جديدة تحلل لهم القتل والسرقة مثل تلك التي صدرت قبل اغتيال السادات والانغماس في العمليات الإرهابية؟!.

ثم ألم يحرم الرسول المصطفي القتل في حديثه أثناء حجته الأولي والأخيرة بقوله دماءكم عليكم حرام؟

والآن وبعد سنوات من التراجع, ها هم يعودون لممارسة القتل, فمن تصدق الذين تراجعوا, أم الذين عادوا للقتل؟!!

وأخيرا نقول إنهم لو تغلبوا علي نوازع العنف والرغبة في الثأر وساروا علي طريق احترام القانون لعقاب من قتلوا شبابهم وعذبوهم لإدراك الرأي العام أنهم بلغوا مرحلة النضج الوطني وأصبحوا أهلا للمشاركة في الحياة السياسية والانخراط في نهر الحياة كقوة وطنية جديرة بالاحترام.

نقلا عن صحيفة "الأهرام"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.