عاجل

البث المباشر

جمال سلطان

كاتب ومفكر إسلامي مصري

كاتب ومفكر إسلامي مصري

لماذا لم تنجح المليونية الأخيرة؟

أعتقد أن تظاهرة الجمعة الأخيرة "مصر مش عزبة" كانت هى ما تمناه مَن دعوا إليها، ولا أن الأعداد التى قصدتها هى الحشد الذى كانوا يتمنونه، أيضًا لا أستطيع أن أقول إنها كانت فاشلة، ولكنها قطعًا لم تكن ناجحة بمعايير نجاح المليونيات الثورية المعهودة.


الأعداد كانت أقل من حجم الدعاية والتشنج والعصبية الشديدة التى انتابت مَن دعوا إليها والتهديدات والتلويحات والهتافات، ثم كان الحال على ما رأيناه جميعًا، المظاهرة حققت بعض النجاح باعتبارها أرسلت رسالة إلى حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان بأن هناك حالة غضب من الأسلوب الذى تمت به إدارة المرحلة الماضية، وأن هذا الغضب يمكن أن يتنامى، وأن هناك مخاطر انقسام حقيقى فى الشارع السياسى سيعوق ـ إذا اشتد أمره ـ أى نجاح ممكن للرئيس مرسى أو أى تطور إيجابى بناء فى البلد ويرسخ من حال الفوضى السياسية التى تعوق أى قدرة على الإنجاز، ولكن المظاهرة فشلت فى أن تعطى انطباعًا بأنها تعبر عن تيار شعبى كبير أو مليونى فى المجتمع، رغم أن بعض مَن دعوا إليها حصلوا على ملايين الأصوات فى الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية.

وفى تصورى أن الفشل جاء من غياب "القضية" التى تعبر عنها تلك المليونية أو المظاهرة إن أحسنا التعبير، لا يشعر المراقب أو المحلل أو حتى المتعاطف أن هناك قضية محددة يمكن أن تحشد الرأى العام معك فيها، كلها "كلام إنشا" كما يقول العوام، لا يمكن أن تضع يدك على كارثة أو مصيبة سياسية أو خطأ سياسى فادح ارتكبه الرئيس مرسى مثلاً بحيث يستنفر ذلك ملايين أو مئات الآلاف للخروج إلى الميادين احتجاجًا، بل إن غياب القضية جاء فى عنوان المظاهرة نفسه، الذى وضح أنه شحن بقدر كبير من الابتذال والإسفاف.

السياسى "مصر مش عزبة"، فكان غياب القضية أو التحدى الواضح قد دفع ـ فيما يبدو ـ منظمى التظاهرة إلى التورط فى مثل هذا الشعار أو العنوان غير اللائق بعمل سياسى جاد، هناك مشكلات حقيقية فى إدارة المرحلة، هذا صحيح، لكنها يمكن أن توصف بأخطاء سياسية أو إدارية لا ترقى إلى مستوى الكوارث أو الاستباحة أو المخاطر الكبيرة التى تهدد الوطن أو مسار الثورة، وبالتالى من الصعب أن يتحرك وجدان وعواطف ومشاعر الملايين مع دعوة للاحتشاد لمثل هذه الأخطاء، ولو كانت مثل هذه الأخطاء تستدعى مليونيات لكنا على موعد مع مليونيات يومية من هنا وإلى خمس سنوات مقبلة على الأقل، لأنك تدير دولة مترعة بالفوضى السياسية والإدارية والقانونية ومثقلة بتحديات أمنية واقتصادية كبيرة، وللمرة الألف أؤكد بأن مصر بحاجة إلى معارضة قوية، وأكثر من تيار شعبى قوى.

فهذا يحقق التوازن السياسى المطلوب لسلامة الممارسة الديمقراطية وقطع الطريق على الاستبداد أو الفرعونية السياسية عمليًا، كما أن وجود المعارضة القوية هو مفيد حتى للسلطة وحزبها أو أحزابها، لأنه يجعلها تستنفر أفضل ما لديها لإثبات جدارتها ويحول بينها وبين الاسترخاء السياسى أو الاطمئنان المفضى إلى الغطرسة واللا مبالاة، وكل ذلك يصب فى النهاية لصالح الوطن، ولكن المعارضة القوية لا تصنع بمثل هذا "النزق" وإنما بالعمل الشعبى الجاد والرصين والمؤسس على إحساس عال بالمسؤولية يعطى الثقة لدى المواطن بأنه أمام "بديل" كفء يثق فيه، وليس مجرد فوضوى أو مثالى أو مهمش ساخط على كل شيء ورافض لكل شيء.



نقلاً عن صحيفة" المصريون".
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة