المجلس القومى للترجمة ويوم المترجم العالمى

يحيى الجمل

نشر في: آخر تحديث:
انفتاح الثقافات الإنسانية على بعضها يثرى الحضارة البشرية ويقوى العلاقات بين البشر والشعوب ويجعل قبول الآخر والاعتراف به أكثر سهولة ويسراً. وعملية الترجمة من لغة حية إلى لغة حية أخرى هى إحدى وسائل تحقيق ذلك التقارب بين البشر والثقافات.

وقد عاش المشرق العربى ثلاث نهضات كبرى من هذا القبيل، كان أولاها فى عصر المأمون الخليفة العباسى المستنير الذى أنشأ «دار الحكمة» فى بغداد وعين فيها كثيراً من الأدباء والعلماء وشجع الترجمة من اليونانية والفارسية واللاتينية فى شتى المعارف الإنسانية إلى اللغة العربية. أما المرة الثانية فقد تحققت فى مصر على يد رفاعة رافع الطهطاوى وتلاميذه من المبعوثين الذين أرسلهم محمد على إلى فرنسا والذين كانوا اللبنة الأولى فى إنشاء مدرسة الألسن التى تنظر عليها رفاعة رافع الطهطاوى والتى ندين لها جميعاً بما تحقق سواء فى عهد إسماعيل أو بعد ذلك عندما انطلقت ثورة ١٩١٩ متأثرة بكل ما بثه رفاعة وتلاميذه ومريدوه من معارف وأفكار، ومن هنا استحق يوم مولد الشيخ رفاعة- ١٥ أكتوبر- أن يكون عيداً للمترجم وللترجمة.

وقد كان من آثار تلك النهضة شوقى وحافظ فى تجديد ونهضة الشعر العربى، والعقاد وطه حسين فى الأدب، ونجيب محفوظ فى القصة، ومحمد عبدالوهاب وأم كلثوم فى الغناء، وغير هؤلاء جميعاً كثيرون فى كل الفنون والعلوم والتخصصات أضاءوا العالم العربى كله وتصدروا جامعاته، وكانت جامعة القاهرة- فؤاد الأول آنذاك- هى الجامعة الأم التى خرج من أهابها كل أساتذة جامعات المشرق العربى فى بغداد ودمشق وغيرهما من عواصم المشرق العربى.

ولا شك أن جامعة الأزهر العريقة تأثرت أيضاً بهذه النهضة ونحن نعيش الآن فى المرحلة الثالثة من مراحل الترجمة العالمية الممنهجة المؤسسة على أسس عملية حديثة تتلاءم مع ما حدث فى العالم من ثورة للمعلومات.

ونستطيع أن نقول بغير تجن على الحقيقة إن هذه المرحلة بالغة الخصوبة واسعة العطاء قد بدأت بإنشاء المركز القومى للترجمة عام ١٩٩٥.

ومن أهم أهداف المركز كما جاء فى قرار إنشائه:

أ- الارتقاء بأوضاع الترجمة على المستوى القومى والتأكيد على أهميتها فى مسيرة التنمية والتحديث.

ب- تشجيع المترجمين والعمل على تكوين أجيال جديدة وتطوير قدراتهم من خلال برامج تدريبية مكثفة.

ج- فتح أبواب المعرفة أمام القارئ العربى فى مختلف المجالات والتأكيد على مبدأ التنوع الثقافى الخلاق.

د- سد الثغرات المعرفية وتحقيق التوازن المطلوب بين فروع المعرفة.

هذه هى أهم أهداف المركز إلى جوار أهداف أخرى وردت فى قرار الإنشاء.

وقد بلغت إصدارات المركز القومى للترجمة حتى الآن- أكتوبر ٢٠١٢- أكثر من ١٦٠٠ عنوان بل إنها تقترب هذه الأيام من تلامس رقم ١٧٠٠ عنوان من أكثر من ثلاثين لغة من لغات العالم «منها الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية والتركية والصينية واليونانية والألمانية والروسية وغير ذلك من لغات لم يسمع بها كثيرون، وأخذا بمبدأ اعرف عدوك فقد ترجم المركز عدداً من الدراسات عن اللغة العبرية.

وتنوعت هذه الإصدارات بين العلوم البحتة والعلوم التطبيقية والفنون والآداب والفلسفة وعلم النفس والعلوم الاجتماعية بمختلف فروعها.

بل أصدر المجلس حديثاً موسوعة «الدساتير العالمية» التى صدر منها حتى الآن ثمانية أجزاء ضمن كثير من دساتير العالم علها تكون ذات فائدة لمن يتصدون لمحاولة وضع مشروع دستور لمصر فى المستقبل.

هذه إطلالة عامة على هذا المركز ذى العطاء الوارف المتنوع الخصب.

وقد كان من حسن حظى أن أعرف معرفة وثيقة اثنين من الأعلام اللذين أدارا هذا المركز:

الأخ الصديق الأستاذ الدكتور جابر عصفور أستاذ الأدب العربى الحديث والنقد بكلية الآداب جامعة القاهرة، أحد كبار دعاة دولة الاستنارة، دولة كل المواطنين الدولة المدنية. أما المدير الثانى للمركز- وهو المدير الحالى- فهى الأستاذة الدكتورة كاميليا صبحى، ورغم معرفتى الوثيقة بكاميليا منذ أن كانت فى باريس مستشاراً ثقافياً- فى المكان الذى عملت فيه وأحببته قبلها بسنين عديدة- فلأول مرة أعرف أن علاقتها بالترجمة ليست مجرد علاقة مثقف مستنير يريد أن يخدم ثقافة بلده فى هذا المجال الحيوى ولكن عرفت أخيراً أن تخصصها العلمى الأصيل هو «الترجمة»، فقد حصلت على الماجستير فى الترجمة الفورية، وعلى الدكتوراه فى الترجمة واللغويات، والدكتورة كاميليا صبحى منذ أن عرفتها فى باريس، وهى صاحبة وجه بشوش لا ترد سائلاً يبغى المعرفة ويريد الاستزادة من العلم.

بارك الله فى هذا المركز العظيم رائع العطاء، وبارك الله فيمن أداروه من قبل ومن يديرونه الآن، ومن سيديرونه فى المستقبل بإذن الله.

وهذا هو العطاء الحقيقى من أجل النهضة والاستنارة والتواصل مع حضارات وثقافات العالم، وما أحوجنا إلى ذلك كله!

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.