حجة البليد

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:
رئيس وزراء، ونائب رئيس وزراء، ووزير، موجودون الثلاثة فى الحبس الآن، لا لشىء إلا لأنهم فكروا ذات يوم فى تعمير جزيرة فى الأقصر، ولم يشاءوا أن يتركوها أرضاً فضاء، ترعى فيها الأبقار وغيرها من الحيوانات.. كما كانت!

لا شأن لى، بالطبع، بما إذا كانت مخالفات من أى نوع قد جرى ارتكابها، فى أثناء تعمير الجزيرة وإقامة فندق عليها، فلا أحد يجب أن يقبل السكوت على أى مخالفة حتى ولو كانت جنيهاً واحداً، غير أن هذا شىء، وكون أن «الرسالة» التى بقيت من وراء العملية كلها، أن الحبس كان جزاء الثلاثة، لأنهم فكروا فيما أقدموا عليه، شيئاً آخر!

وبما أن ما تم قد تم، وبما أنهم موجودون فى زنازينهم حتى هذه اللحظة، وبما أن الجزيرة قائمة بالفندق عليها فى مكانهما، فإن المرء لابد أن يحمد الله على أنها لاتزال فى موقعها بالأقصر، ولم تغادره خلسة، وأننا لسنا مضطرين بالتالى إلى إصدار قرار بمنعها من السفر!

ولكن.. ليست هذه هى القصة كلها، فلابد لها أن تكتمل، واكتمالها لن يكون إلا بأن نعيد الشىء إلى أصله هناك، فنهدم الفندق، ونسوى به الأرض، وليس لأحد عندئذ أن يقلق على عماله وموظفيه، لأن الحكاية بسيطة للغاية، ولن تتجاوز تشريد عشرات أو مئات العمال والموظفين، فالآلاف، وربما الملايين من أمثالهم قد سبقوهم إلى الرصيف، ومادام الهدف أن تعود الجزيرة إلى ما كانت عليه، فلا بأس أن يكون ذلك على أجساد عمال وموظفين كانوا قد وجدوا فرص عمل فيها.. إنهم - والحال هكذا - بلا قيمة، كما أنهم بالقطع شىء يمكن تجاوزه، والتضحية به بسهولة، والقفز فوقه دون اهتمام!

إننا أمام غاية عظمى، وهى أن تعود الجزيرة إلى أصلها، وأن نعيد إليها أبقارها وحيواناتها، وأن نحولها إلى محمية للحيوانات من كل صنف، وفى سبيل غاية كهذه، يهون العمال والموظفون، ويهون السياح الذين كان من الممكن أن يقيموا فى الفندق، ويهون الموردون الذين كان من الجائز أن يكونوا زبائن دائمين فى التعامل معه، شأن أى منشأة سياحية، بل تهون أى صناعات مغذية، تكون بطبيعتها مما يكمل عمل أى فندق فى أى موقع!

«لا شىء يهم» من ذلك كله، على رأى كاتبنا الكبير الراحل إحسان عبدالقدوس، إذ الأهم ألا تصاب الجزيرة بخدش، حتى ولو كان هذا الخدش يتمثل فى فندق طويل عريض، كما أن الأهم كذلك ألا يحاول إنسان إثارة خوف أو ذعر أى حيوان يجد راحته فى الركض فوق أرض الجزيرة، ويظل يقطعها يميناً وشمالاً على مدار اليوم، فالسياحة عندنا رائجة جداً، على كل حال، وليست فى حاجة إلى هذا الفندق، ولا إلى غيره، والسياح على أرضنا يتوافدون جماعات كل ساعة، ولسنا فى حاجة إلى المزيد منهم، وفرص العمل للعمال والموظفين «على قفا مين يشيل»، وإذا فقد أى عامل أو موظف عمله هنا فسيجد بديلاً فى لحظة!

يبدو الأمر، فى كثير من الأحيان، إن لم يكن فى الأحيان كلها، أنه لا هم لنا هذه الأيام، كحكومة، إلا البحث عن أى باب فتحه النظام السابق، لنغلقه، مع أن العقل يقول إنه كانت هناك أبواب مفتوحة على عمل، وعلى خير، وعلى مستقبل، وهذه يجب أن نميز بينها وبين غيرها، وأن نحميها، ونشجعها، ونوفر المناخ الذى يجعل من الباب الواحد منها، عشرة أبواب.. أما الأبواب التى كانت «مش ولابد» فمن الممكن أن تختص بها لجنة، وأن تنشغل بها وحدها، لننصرف نحن، كدولة، إلى مستقبل لن يكون فى إمكانه أن ينتظرنا، بينما نحن مشغولون بما يجب أن يكون على هامش الهامش!

إذا كانت هناك عبارة تصف حالنا، فى اللحظة الراهنة، كنظام حاكم، وحكومة، وأجهزة مسؤولة، فهى: حجة البليد!

*نقلا عن "المصري اليوم"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.