حدثان مُبهجان

جلال أمين

نشر في: آخر تحديث:
حدثان وقعا منذ أيام قليلة، وفى أسبوع واحد، فبعثا فى نفسى البهجة، وأخرجانى، ولو مؤقتا، من الشعور الثقيل بالإحباط بسبب ما نقرأه ونسمعه يوميا من أحداث محزنة فى مصر.



الأول وقع فى قاعة ايوارت بالجامعة الأمريكية، فى مبناها القديم بميدان التحرير. والثانى فى مسرح الجمهورية العتيد، بجوار ميدان عابدين. قد يبدو وكأنهما مجرد حدثين ثقافيين يحدث مثلهما فى مصر بين الحين والآخر، ولا يدلان على أى شىء فيما يتعلق بتطور المجتمع المصرى ومستقبله. ولكننى رأيت فيهما، إذ أسعدنى الحظ بحضورهما، صورة مبهجة للغاية لما يمكن (بل ولابد) أن يكون عليه مستقبل مصر بعد عشرين عاما، وربما أقل.



نشرت بعض الصحف أن ناعوم تشومسكى، ذلك الأستاذ والكاتب الأمريكى الفذ، سيأتى إلى مصر لإلقاء محاضرة بالجامعة الأمريكية، والدعوة عامة، والموضوع هو رؤيته لما يسمى بالربيع العربى وتحولات النظام الدولى. ناعوم تشومسكى فى الرابعة والثمانين من عمره، حقق شهرة واسعة فى العالم كله، ولاتزال كتبه الكثيرة تترجم بمجرد صدورها إلى مختلف اللغات، فيتلقفها الملايين من الناس فى مختلف الدول، حتى وصفته جريدة النيويورك تايمز بأن «من الممكن اعتباره أهم مثقف فى العالم اليوم». كانت بداية شهرته منذ نحو خمسين عاما عندما كان أستاذا للغويات فى معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا (MIT)، ونشر أبحاثه عن أصل اللغة، وأرجعها لا إلى مهارات مكتسبة بل إلى استعداد بيولوجى موروث لدى الإنسان.

وقد أحدثت هذه النظرية تغيرا حاسما فى مسار البحوث التالية فى أصل اللغة. ولكن تشومسكى حقق شهرة أكبر بكثير، تجاوزت المهتمين بمجال تخصصه، بسبب ما عبر عنه من مواقف فى نقد السياسة الأمريكية فى مناطق مختلفة من العالم، بإصرار ومثابرة مدهشين، وفضح الدوافع الخفية لهذه السياسة، بما فى ذلك رفضه القاطع للتأييد الأمريكى لإسرائيل، وللظلم الفادح الذى يمارس يوميا ضد الفلسطينيين.



تشومسكى رجل يهودى، ولكنه فضل الانتصار للحق على الانتصار للصهيونية، وتحمل فى سبيل ذلك مخاطر عديدة هددت حياته، وقرر ألا يترك أى فرصة تتاح له لنشر ما يعتقد أنه الحق بأية وسيلة، بالنشر أو الخطابة أو الإدلاء بالأحاديث فى أى بلد يستطيع الوصول إليه. فإذا لم يجد الوقت للجلوس لكتابة كتاب بأكمله، سمح للمحاورين بأن يأتوا إليه ليسجلوا أفكاره ونشرها فى صورة حوار بينهم وبينه، وها هو يأتى إلى القاهرة ليمارس هوايته المفضلة، وهى التعبير عما يعتقد أنه حق.



كل هذا جميل ولكن الأجمل بلا شك هو ما رأيته من الشباب المصرى عندما سمع بقدوم تشومسكى إلى القاهرة. عرفت أن الباب الوحيد المفتوح لدخول الجمهور هو باب الجامعة الأمريكية فى شارع محمد محمود، فلما اقتربت أنا وزوجتى من الباب رأينا منظرا عجيبا: ازدحاما شديدا أمام الباب، وطابورا من الشباب يمتد من الباب وحتى ميدان التحرير، يحدوهم أمل مشكوك فى تحقيقه فى القدرة على الوصول إلى الباب. قاومت أنا وزوجتى بالغوص فى هذا البحر من الشباب حتى اقتربنا من الباب الذى ضيق حراسه من الجزء المفتوح منه بعد أن عرفوا امتلاء القاعة عن آخرها وجلوس الكثيرين على الأرض فى ممراتها. ساعدنى بعض الشباب بالصياح معى طالبين من الحراس فتح الباب لى، فإذا بالباب يُفتح بضعة سنتيمترات إضافية فأستطيع الدخول ثم يغلق الباب فجأة فى وجه زوجتى التى اضطررت للجوء لمساعدة إضافية بعد دخولى لإرسال من ينقذها ويساعدها للدخول من باب المكتبة بشارع قصر العينى.



إننى أذكر هذه التفاصيل لأصل إلى شىء واحد. شباب مصرى يسمع عن وصول رجل أمريكى عظيم، ينتصر للفلسطينيين رغم أنه يهودى، ويشرح الدوافع الحقيقية وراء السياسة الأمريكية فى كل مكان، ليلقى محاضرة بالإنجليزية، فيأتون آلافا مؤلفة، من كل مكان فى مصر ليستمعوا إليه. تأكدت من ذلك عندما تحاورت مع بعضهم بعد انتهاء المحاضرة.



هذا طالب فى كلية طب طنطا، وهذا قادم من الزقازيق، وهذا من الفيوم...الخ. شباب صغير السن مملوء بالحيوية، ويشع من أعينهم الذكاء الفطرى، ولا يدفعهم إلى تحمل هذه المشقة إلا التشوق للاستماع لكلام حقيقى من رجل لا يكذب، بالإضافة لحبهم لوطنهم.





قلت لنفسى بعد التحدث مع هؤلاء الشباب: «هل يمكن أن نغفل هذه الظاهرة، لمجرد أن مصر تمر اليوم بمحنة سببها ما يتردد فيها من أكاذيب وخداع وأنانية بعض السياسيين الكبار؟ أليس هؤلاء الشبان، دون غيرهم، هم من سيشكلون المستقبل المصرى على صورتهم؟ فلماذا كل هذا الإحباط إذن؟».



ثم جاء إعلان آخر عن مسرحية ستمثل فى مسرح الجمهورية، وتقدمها فرقة فرنسية جاءت خصيصا للقاهرة، لتمثيل مسرحية مقتبسة من رواية «شيكاغو» لعلاء الأسوانى. سبق لهذه الفرقة أن قدمت هذه المسرحية فى باريس بنجاح كبير، فدعاها المركز الثقافى الفرنسى لتقديمها فى ثلاث حفلات فى مصر، مرتين بالقاهرة ومرة بالإسكندرية. وقد حضرت أولى هذه الحفلات فخرجت أيضا مبهورا وسعيدا لأكثر من سبب، فمن ناحية، أعاد إلىَّ الاتقان فى التمثيل وبراعة الممثلين فى فهم النص ذكريات ما كنت أراه أثناء دراستى فى لندن من اتقان مماثل فى إخراج أفضل التراث المسرحى العالمى. ثم بهرنى إخلاص المخرج الفرنسى فى استخراج المعانى الخفية للرواية المصرية، بكل دقائق المشاعر الإنسانية التى تدفع أبطال الرواية للتصرف على هذا النحو أو ذاك.

كل هذا، نقله بنجاح المخرج الفرنسى، وكاتب السيناريو الذى كان قد ترجم الرواية إلى الفرنسية. طوال المسرحية كنت أسترجع بالطبع أحداث تلك الرواية الرائعة التى صدرت لعلاء الأسوانى منذ بضع سنوات، فأتعجب كيف استطاع الأسوانى أن يقول كل هذا فى رواية واحدة؟ علما بأن المخرج الفرنسى، بسبب ثراء الرواية بالمواقف والشخصيات، اضطر إلى الاستغناء عن تقديم علاقتين مهمتين فى الرواية (العلاقة بين الطالبة المصرية المحجبة التى أتت إلى شيكاغو من طنطا وأحبها زميلها المصرى الخجول، والعلاقة بين أستاذ أمريكى نبيل وأمريكية سوداء وقع فى غرامها ثم اضطرتها ظروف الحياة القاسية إلى خداعه). إذاً ما الذى يمكن أن يقدمه المخرج أكثر مما قدمه خلال ثلاث ساعات كاملة؟



كانت النتيجة إذن رائعة، ولكن الأروع من هذا كان منظر الجمهور المصرى الذى جاء لمشاهدة الرواية، وعبر عن سروره وحماسه للرواية بالتصفيق المدوى للممثلين والمخرج والمؤلف بعد انتهاء المسرحية.



تكلمت أيضا مع هذا الشاب أو تلك الشابة ممن أتوا لمشاهدة المسرحية. شباب لم أقابلهم من قبل، ولكننى رأيت فيهم أيضا صورة واعدة ومبهجة للغاية بما سيكون عليه مستقبل مصر عندما يتسلمه هؤلاء الشبان والشابات. المسرحية تُمثل بالفرنسية، ولكن ترجمة دقيقة ووافية معروضة بشكل واضح تماما فى جانب من خشبة المسرح وخارجها، مما يسمح بمتابعة العرض متابعة كاملة حتى إذا لم تكن تعرف الفرنسية. ما الذى جلب كل هذه الأعداد الكبيرة من الشباب لمشاهدة المسرحية الفرنسية إلا إعجابهم برواية الأسوانى عندما قرأوها فى كتاب، وذكاؤهم الذى مكنهم من رؤية جوانب القوة فيها، وحسهم الوطنى العالى الذى يدفعهم لمتابعة كل ما يتعلق بحاضر بلدهم ومستقبله؟



نقلاً عن صحيفة" الشروق المصرية"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.