عاجل

البث المباشر

حمدي قنديل

إعلامي تلفزيوني مصري

إعلامي تلفزيوني مصري

على رصيف الجامعة العربية

الآن تشتعل النار على باب مصر.. البعض يدعو - أحيانا عن سوء قصد أو سوء فهم - إلى أن ندير ظهرنا لغزة ونلتفت لما ساء من أحوال فى مصر، خاصة فى الأيام الأخيرة.. لهؤلاء نذكّر بأن مصر هى التى أضاعت القطاع فى ٦٧، وهى التى كانت مسؤولة عنه منذ اتفاقية الهدنة بعد حرب ١٩٤٨ وكانت تديره تحت قيادة حاكم عسكرى، ثم إنه عبر التاريخ كان الغزو العسكرى لمصر يتم عادة عبر بوابة غزة، مثلما حدث مع الحيثيين والهكسوس وغيرهم، والآن ضاعفت مشكلات سيناء من تأثير ما يجرى فى القطاع على الشأن المصرى برمته.

فرطت مصر فى دورها الفلسطينى طوال الثلاثينية السوداء لحكم مبارك، واستسلمت للإهانة لما شنت إسرائيل آخر عملياتها العسكرية الكبرى ضد القطاع «الرصاص المسكوب» فى ٢٠٠٨، بينما كانت وزيرة الخارجية الإسرائيلية مجتمعة مع الرئيس المخلوع فى القاهرة.. وصف قادة الصهاينة مبارك بأنه «الكنز الاستراتيجى لإسرائيل».. هو الذى فتح أبواب مصر على مصاريعها لهم، وعلى مائدته أفطر نتنياهو فى رمضان.. أمدهم بالغاز بسعر الأوكازيون، ونسق معهم لمقاومة «الإرهاب» الفلسطينى، وانتهى به الأمر إلى أن أخرج مصر من الصراع العربى - الإسرائيلى تماما.

مرسى، مهما حاول خصومه أن ينالوا منه، من طينة مختلفة.. الأمر لا يقف عند حد ثقافته الإسلامية، ولا أنه عضو فى جماعة بادرت لمشاركة الفلسطينيين الجهاد فى ١٩٤٨ أو أنه ينتمى لتنظيم دولى واحد يضمه مع حماس.. الأهم من ذلك أنه الحاكم الذى أتت به ثورة يناير فى انتخاب ديمقراطى، وأنه يمثل شعب مصر الذى تغير وأصبح يفرض إرادته.. شعب رفض إسرائيل وسياساتها وقاوم التطبيع رغم اتفاقية السلام، وفى يوم ٢٥ يناير نادى بالكرامة ورفض التبعية ورفع فى الميدان أعلام فلسطين وأحرق سفارة إسرائيل.. أظن أن شريط هذه الأحداث دار فى رأس مرسى عندما أُبلغ بالعدوان على غزة.

قرار مرسى بسحب السفير «وليس استدعاءه للتشاور» قرارصائب.. ورغم أن مبارك سحب السفير مرتين من قبل، إلاّ أن مرسى باغت الكل بسرعة إصدار القرار.. وكانت المفاجأة الثانية هى إيفاد رئيس الوزراء إلى غزة وهى تحت القصف.. يقول البعض إنه تم الاتفاق سلفا مع إسرائيل على إيقاف إطلاق النار أثناء الزيارة، ويقول آخرون إن الهدف الأول منها لم يكن المواساة وإنما حث حماس على التهدئة.. فى كل الأحوال كان وجود قنديل هناك إشارة لا تغفل على تضامن مصر مع الفلسطينيين.. من المؤكد أن المصريين غاضبون أشد الغضب، ولا يمكن لأحد أن يشكك فى أن الرئيس غاضب أيضا، بل إنه وصل فى غضبه حد التهديد بأن «مصر تستطيع أن تقتلع جذور العدوان»، لكن الكل يعلم أن هذا الغضب لإرضاء الشارع المصرى خاصة فصائله الإسلامية، والأرجح أنه لن يترجم إلى إجراءات فعالة.

الحق أنه لايزال أمام مرسى بعض خطوات التصعيد التى يمكنه أن يتخذها إذا ما استمر العدوان الصهيونى.. يمكنه أن يفتح معبر رفح بلا توقف، ويمكنه طرد سفير إسرائيل، ويمكنه أن يوقف أى تعاون مشترك فى المجالات الاقتصادية، ويمكنه أن يعيد النظر فى اتفاقية السلام، لكن الخشية أن يكتفى بدور الوساطة بين حماس وإسرائيل حتى لا يغضب الولايات المتحدة إلى الحد الذى توقف فيه المعونة أو أن تشير على صندوق النقد الدولى بتجميد الإقراض لمصر ولو على نحو مؤقت.. لابد أن صوت أوباما الغاضب من اقتحام السفارة الأمريكية مؤخرا لايزال يدوى فى آذان الرئيس، ولابد أنه لايزال يسعى للقاء أوباما ليطمئنه على اعتدال الحكم الإسلامى فى البلاد.. مرسى تبين الآن، ربما لأول مرة، أنه رئيس دولة وليس رئيس حزب أو نائباً معارضاً فى البرلمان، والمؤكد أنه حريص على استمراره فى الكرسى وحريص بالطبع على بقاء الدولة ذاتها.. لذلك سيظل يحاول التعبير عن غضبه فى الحدود التى يسمح بها الموقف الدولى والرضا الأمريكى.

إسرائيل لا تستهدف من وراء عملية «عمود السحاب» تأديب الفلسطينيين فقط، ولكن اختبار مرسى أيضا.. وهى لا تريد استفزازه إلى الحد الذى يضطر فيه إلى المساس باتفاقية السلام، والمؤكد أنها واثقة من أن العدوان لن يتطور إلى اشتباك عسكرى بين البلدين.

تعرف إسرائيل للأسف أن مصر غير قادرة على الحرب، على الأقل بسبب عدم وجود مخزون كاف لديها لإعاشة ٨٤ مليونا من السكان.. ورغم المرارة التى تصيب الكثيرين منا عندما يواجهون بهذه الحقيقة، فلابد من مواجهتها إلى حين.. لكن المنطق يقول إن أى حرب مع إسرائيل لابد ألاّ تنوب فيها مصر عن غيرها، وإنما يخوضها العرب جميعا بجهود متباينة متكاملة.. والعرب الآن ليست لديهم النية وليسوا على استعداد.

قبيل العدوان على غزة أراد أمين عام الجامعة والسفراء العرب لديها التضامن مع شهداء القضية الفلسطينية، فلم يجدوا فى مستطاعهم إلاّ أن يقفوا على رصيف المبنى احتجاجا لتلتقط لهم الصور.. كان مشهدا يدعو إلى الرثاء، لكنه مع ذلك كان تعبيرا أمينا عن الحدود القصوى للعمل العربى المشترك.. وتردد الكواليس داخل المبنى حكاية أخرى مؤسفة مؤداها أن سفير دولة عربية بترولية كبرى لدى الجامعة، همس فى أحد مجالسه بأنه من الضرورى أن يوقف البترول العربى الذى يموّن الطائرات الإسرائيلية، فنقلت إحدى وكالات الأنباء الخبر.

ولما وصل الخبر إلى البيت الأبيض، اتصل أوباما برئيس وزراء الدولة المعنية «وليس برئيس جمهوريتها»، وإذا بالسفير هنا فى القاهرة يتلقى بعد ساعات معـدودة مكالمة غاضبة من عاصمته تطالبه بنفى الخبر على الفور.

يبدو أن زمن قطع البترول ومقاطعة إسرائيل ومقاطعة الشركات الدولية التى تستثمر فى إسرائيل وسحب الأموال العربية من بنوك الدول المساندة لإسرائيل زمن ولّى ولن يعود.. عندما اجتمع وزراء الخارجية العرب أمس الأول تصاعدت نداءات شعبية تقول لهم إن «شعب مصر لا يرحب باجتماعكم فى عاصمته.. تفضلوا لو سمحتم بالمغادرة إلى غزة».. والواقع أن أحدا منهم لم يبال بالنداء، ولو لم يكن وزير خارجية تونس قد بادر فزار غزة أمس الأول لما قرروا زيارتها.. كان قرارهم فى النهاية تشكيل لجنة «مفتوحة العضوية» للقيام بالزيارة، أى أن بابها مفتوح أمام من يفضل البقاء فى القاهرة.

رغم أن دول الثورات العربية، مصر وتونس خاصة، قد حركت بعضاً من المياه الراكدة، إلاّ أن أقصى ما يمكن أن يقوم به العرب مع ذلك هو زيارة خاطفة كهذه، أو بعض الجعجعة الزائفة عن إيقاف التطبيع مع إسرائيل، وهو ما قرروه بالفعل فى اجتماعهم أمس الأول الذى دعوا فيه أيضا للجنة وزارية كى تعيد النظر فى موقف الدول العربية من عملية السلام.. اقتراح شأن غيره من نتائج الاجتماع لا يستهدف سوى إبراء الذمة.. أكثر من ذلك ليس بالمستطاع، اللهم إلا بعض الكلام الذى يصلح عناوين لصحف الصباح أو برامج الثرثرة فى المساء مثل تصريح وزير خارجية قطر: «أصبحنا نعاجاً بسبب العدوان المستمر على فلسطين».. من الطبيعى بعد ذلك أن يكون المكان المختار لأصحاب المعالى والسـعادة الوزراء والسفراء ممثلى النعاج هو رصيف الجامعة.. أما غزة فلها الله، والمقاومة، والصواريخ.

نقلاً عن صحيفة" المصري اليوم"
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات